لقَدْ أُسْتُعْمِرْنَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي وَقْتٍ لَمْ أَكُنْ مَوْجُوداً فِيهِ، وَلَكِنْ حَسَبَ مَا حُكِيَ لِي وَعِشْتُهُ عِنْدَمَا كَبِرْتُ، كَانَ الْمُسْتَعْمِرُ قَدْ فَرَضَ عَلَيْنَا ضَرِيبَةً كَانَتْ تُسَمَّى إِذَّاك ضَرِيبَةَ الْأُذُنِ، تُفْرَضُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْغَنَمِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ، بِالْإِضَافَةِ لِنَزْعِ الْأَرَاضِي مِنْ أَصْحَابِهَا، وَلَكِنَّ الْأَجْيَالَ الَّتِي جَاءَتْ بَعْدَ الْإِسْتِقْلَالِ، لَمْ تَعِشْ مَا عِشْنَاهُ وَلَمْ تَعْرِفْ مَرَارَةَ الِاسْتِعْمَارِ كَمَا عَرَفْنَاهُ. لَقَدْ وُلِدْتُ عَامَ 1934 وَفِي عَامِ 1948 أَدَّيْتُ الْيَمِينَ فِي الْحِزْبِ عَلَى يَدِ عَمِّي السَّيِّدِ النَّاصِرِي عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الَّذِي كَانَ إِذَّاك كَاتِبَ فَرْعِ الْحِزْبِ فِي تَافُوغَالْت، أَدَّيْتُهُ أَنَا وَأَخِي النَّاصِرِي أَحْمِيدَان، كَانَتِ الْجَمَاعَةُ مَوْجُودَةً وَانْخَرَطْنَا فِيهَا، وَكُنَّا نَحْضُرُ فِيهَا لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى النَّشْرَةِ الَّتِي كَانَتْ تُقْرَأُ عَلَيْنَا، وَتُعْطَانَا تَعْلِيمَاتٌ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِيَامُ بِهِ لِلْكِفَاحِ ضِدَّ الْإِسْتِعْمَارِ، وَشَارَكْنَا فِي تَوْعِيَةِ الْمُوَاطِنِينَ وَتَحْرِيضِهِمْ ضِدَّ الْوُجُودِ الْإِسْتِعْمَارِيِّ فِي بِلَادِنَا، وَكُنَّا نَطْلُبُ مِنْهُمُ الِانْخِرَاطَ فِي الْحِزْبِ وَوَضْعَ الْيَدِ فِي الْيَدِ لِلْقَضَاءِ عَلَى وُجُودِ الْأَجَانِبِ الْمُسْتَعْمِرِينَ. وَلَمَّا أَقْدَمَ الْإِسْتِعْمَارُ الْفَرَنْسِيُّ عَلَى اغْتِيَالِ الزَّعِيمِ النِّقَابِيِّ التُّونُسِيِّ فَرْحَات حَشَّاد يَوْمَ 5 دِجَنبِر عَامَ 1952 أَمَرَنَا الْحِزْبُ بِإِرْسَالِ بَرْقِيَّاتِ الْإِحْتِجَاجِ وَالْقِيَامِ بِمُظَاهَرَاتٍ وَوُجِهَتْ بِالْإِعْتِقَالَاتِ وَوَضْعِ الْعَدِيدِ مِنَّا فِي السُّجُونِ، وَرَغْمَ ذَلِكَ لَمْ يُوَقِّفِ الْحِزْبُ نَشَاطَهُ، بَلْ بِالْعَكْسِ اسْتَمَرَّ فِي نَشَاطِهِ الْعَادِيِّ، حَيْثُ شَنَّتْ سُلُطَاتُ النَّاحِيَةِ حَمْلَةً مِنَ الْإِعْتِقَالَاتِ طَالَتْ عَدَداً مِنَ الْحِزْبِيِّينَ أَمْثَالَ السَّيِّدِ النَّاصِرِي عَبْدِ الْقَادِرِ كَاتِبِ الْفَرْعِ، وَالسَّيِّدِ الْمَاحِي، وَالسَّيِّدِ الْحُسَيْنِ الْبُويَعْلَاوِي وَالسَّيِّدِ عَبْدِ الْقَادِرِ بُومَدْيِين الْمُوسَاوِي الَّذِينَ نُفُوا إِلَى حَاسِي الْعَرِيشَة وَإِلَى بَرِكَان، كَمَا طَالَ الْإِعْتِقَالُ عَدَداً مِنَ الْوَطَنِيِّينَ بِوَجْدَة وَأُخِذُوا إِلَى "الْعَقْرَبِ" مَا بَيْنَ تَاوْرِيرْت وَجَرَسِيف، كَمَا شَمِلَ هَذَا الْإِعْتِقَالُ كَثِيراً مِنْ نَشَطَاءِ الْحَرَكَةِ الْوَطَنِيَّةِ فِي مُخْتَلَفِ مَنَاطِقِ الْمَغْرِبِ. كُلُّ هَذَا فِي نِطَاقِ خُطَّةٍ رَسَمَهَا الْإِسْتِعْمَارُ لِإِضْعَافِ الْحِزْبِ، تَمْهِيداً لِتَنْفِيذِ الْمُؤَامَرَةِ الرَّامِيَةِ إِلَى نَفْيِ مَلِكِ الْبِلَادِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ وَأُسْرَتِهِ. وَلَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ فَمَا وَقَعَ هُوَ الْعَكْسُ، إِذْ رَغْمَ غِيَابِ قِيَادَةِ الْحِزْبِ وَزُعَمَائِهِ فَإِنَّ الْإِقْبَالَ عَلَى الِانْخِرَاطِ فِي صُفُوفِ الْحَرَكَةِ الْوَطَنِيَّةِ ازْدَادَ وَتَضَاعَفَ فِي كُلِّ أَنْحَاءِ الْبِلَادِ. وَفِي 16 غُشْت سَنَةَ 1953 قَامَتْ مُظَاهَرَةٌ دَامِيَةٌ فِي مَدِينَةِ وَجْدَة، ذَهَبَ ضَحِيَّتَهَا عَدَدٌ مِنَ الْمَوْتَى وَالْجَرْحَى سَوَاءٌ مِنَ الْمُوَاطِنِينَ أَوْ الْمُعَمِّرِينَ، كَمَا نَجَمَ عَنْهَا إِعْتِقَالُ كَثِيرٍ مِنَ الْوَطَنِيِّينَ الْمُتَظَاهِرِينَ. أَمَّا أَنَا فَقَدْ كُنْتُ حِينَئِذٍ أَعِيشُ فِي قَرْيَةِ تَافُوغَالْت، لِهَذَا سَأَحْكِي لَكُمْ مَا جَرَى فِي تَافُوغَالْت وَبَرِكَان وَبِالْأَخَصِّ فِي تَافُوغَالْت الَّتِي كُنْتُ أَعِيشُ فِيهَا، لَقَدْ طَلَبَ مِنَّا فَرْعُ الْحِزْبِ فِي بَرِكَان عَقْدَ اجْتِمَاعَاتٍ خَاصَّةٍ بِكُتَّابِ جَمَاعَاتِ الْحِزْبِ وَأُمَنَائِهَا، وَالْقِيَامَ بِحَمْلَةٍ وَاسِعَةِ النِّطَاقِ مِنَ الِاتِّصَالَاتِ بِأَفْرَادِ الْحِزْبِ الْمُنْتَشِرِينَ فِي نَوَاحِي تَافُوغَالْت قَصْدَ تَعْبِئَتِهِمْ لِلْحُضُورِ إِلَى تَافُوغَالْت يَوْمَ 17 غُشْت، وَهَذَا مَا وَقَعَ بِالْفِعْلِ، فَقَدْ تَوَزَّعَ مَسْؤُولُو فَرْعِ الْحِزْبِ عَلَى الْقَبَائِلِ الْخَاضِعَةِ لِنُفُوذِ حَاكِمِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ يَحُثُّونَهَا عَلَى النُّزُولِ إِلَيْهَا لِلْمُشَارَكَةِ فِي الْمُظَاهَرَةِ الَّتِي قَرَّرَ الْحِزْبُ الْقِيَامَ بِهَا يَوْمَ 17 غُشْت، وَهَكَذَا فَمَا إِنْ حَلَّ صَبَاحُ هَذَا الْيَوْمِ حَتَّى طُوِّقَتْ تَافُوغَالْت بِالْقَبَائِلِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، وَكَانَ الْمُشَارِكُونَ فِي هَذِهِ الْمُظَاهَرَةِ مُسَلَّحِينَ بِالْعِصِيِّ وَالْبَنَادِقِ وَالْخَنَاجِرِ... وَقَدِ اكْتَفَوْا بِالْهُتَافِ بِحَيَاةِ الْمَلِكِ وَالْوَطَنِ وَسُقُوطِ فَرَنْسَا، وَزَغَارِيدِ النِّسَاءِ فِي جَوٍّ مِنَ الْحَمَاسِ مُنْقَطِعِ النَّظِيرِ. وَأَمَامَ هَذَا الْحَشْدِ مِنَ الْمُتَظَاهِرِينَ لَمْ يَجِدِ الْمُرَاقِبُ سَبِيلاً لِتَهْدِئَةِ الْوَضْعِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْمُتَظَاهِرِينَ بِنَفْسِهِ لِيَسْتَفْسِرَهُمْ عَمَّا يُرِيدُونَهُ، وَلَمَّا أَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ بِهَذِهِ الْمُظَاهَرَةِ لِلْإِحْتِجَاجِ عَلَى التَّآُمُرِ ضِدَّ الْعَرْشِ وَلِلْمُطَالَبَةِ بِالْإِسْتِقْلَالِ، كَمَا أَخْبَرُوهُ أَيْضاً بِأَنَّهُمْ مُصَمِّمُونَ الْعَزْمَ عَلَى التَّشَبُّثِ بِمَطْلَبِهِمْ وَلَوْ اقْتَضَى الْأَمْرُ فَنَاءَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. وَأَمَامَ هَذَا الْإِصْرَارِ طَلَبَ مِنْهُمْ إِعْطَاءَهُ مُهْلَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلِاتِّصَالِ بِرُؤَسَائِهِ وَإِبْلَاغِهِمْ هَذِهِ الْمَطَالِبَ، فَقَبِلَ الْمُتَظَاهِرُونَ هَذَا الرَّجَاءَ وَتَفَرَّقُوا وَعَادُوا إِلَى دِيَارِهِمْ فِي انْتِظَارِ مَا سَيَقُومُ بِهِ الْحَاكِمُ. وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُهْلَةِ عَادَ النَّاسُ إِلَى التَّجَمُّعِ فِي مَكَانٍ اسْمُهُ "تَبْرَانِين" وَتَمَّ الْإِتِّفَاقُ عَلَى إِيفَادِ مَنْ يَتَّصِلُ بِفَرْعِ الْحِزْبِ فِي بَرِكَان لِإِخْبَارِهِ بِأَنَّ سُكَّانَ تَافُوغَالْت وَنَوَاحِيهَا سَيَسْتَأْنِفُونَ التَّظَاهُرَ إِذَا لَمْ يَفِ الْمُرَاقِبُ بِوَعْدِهِ. وَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ فُوجِئُوا بِمَا لَمْ يَكُونُوا يَنْتَظِرُونَهُ، حَيْثُ طُوِّقَتِ النَّاحِيَةُ بِفِرَقٍ عَسْكَرِيَّةٍ، مُدَعَّمَةٍ بِالْمُصَفَّحَاتِ وَمُدَجَّجَةٍ بِالْمَدَافِعِ وَالرَّشَّاشَاتِ، وَالَّتِي لَمْ تَكْتَفِ بِعَمَلِيَّةِ التَّطْوِيقِ، بَلْ شَنَّتْ حَمْلَةً مَسْعُورَةً مِنَ التَّفْتِيشِ وَإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَحُقُولِهِمْ وَحَشْدِهِمْ فِي أَمَاكِنَ مَكْشُوفَةٍ. وَأَمَامَ هَذِهِ الْحَمْلَةِ الْهَمَجِيَّةِ لَمْ يَجِدِ الْمُتَظَاهِرُونَ بُدّاً مِنَ التَّفَرُّقِ حَتَّى لَا يَسْتَفْحِلَ الْأَمْرُ وَيَسْتَغِلَّهَا الْجَيْشُ الْفَرَنْسِيُّ لِلْقِيَامِ بِمَجْزَرَةٍ يَذْهَبُ ضَحِيَّتَهَا سُكَّانُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَرَغْمَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَرَّعْ أَفْرَادُ الْجَيْشِ الْإِسْتِعْمَارِيِّ مِنَ الْقِيَامِ بِإِجْرَاءَاتٍ وَحْشِيَّةٍ، كَإِهَانَةِ النِّسَاءِ وَالتَّنْكِيلِ بِالرِّجَالِ وَالْأَطْفَالِ، وَنَهْبِ كُلِّ مَا تَقَعُ عَلَيْهِ أَعْيُنُهُمْ مِنْ أَمْتِعَةٍ مَهْمَا صَغُرَ شَأْنُهَا. وَقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ الْأَغْنَامَ وَالْأَبْقَارَ وَالدَّجَاجَ. وَمَا إِنْ تَفَرَّقَ النَّاسُ حَتَّى شَنَّتِ السُّلْطَةُ حَمْلَةً مِنَ الْإِعْتِقَالَاتِ طَالَتِ الْمَسْؤُولِينَ فِي الْحِزْبِ كَالْكُتَّابِ وَالْأُمَنَاءِ، وَقَدْ تَمَّ اسْتِنْطَاقُهُمْ مِنْ طَرَفِ لَجْنَةٍ بُولِيسِيَّةٍ وَفَدَتْ مِنْ مَدِينَةِ وَجْدَة، وَقَدْ تَرَكَّزَ الِاسْتِنْطَاقُ عَلَى كَشْفِ لَوَائِحِ نَشَطَاءِ الْحِزْبِ بِهَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَالَّتِي اعْتَرَفَ الْجَمِيعُ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ عِنْدَ كَاتِبِ الْفَرْعِ، النَّاصِرِي عَبْدِ الْقَادِرِ الَّذِي كَانَ مُحْتَجَزاً فِي حَاسِي الْعَرِيشَة. وَفِي نِطَاقِ الْبَحْثِ عَنْ هَذِهِ اللَّوَائِحِ هَجَمَ الْبُولِيسُ عَلَى مَنْزِلِنَا لِلتَّفْتِيشِ عَنْهَا، إِلَّا أَنَّهُمْ أُخْبِرُوا بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهَا لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهَا مَوْجُودٌ فِي السِّجْنِ مُنْذُ عَامٍ. أَمَّا أَنَا فَقَدْ كُنْتُ غَائِباً عَنِ الْمَنْزِلِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَمَّ اسْتِدْعَائِي إِلَى مَرْكَزِ الْأَمْنِ بِتَافُوغَالْت، حَيْثُ سُئِلْتُ عَنِ اللَّوَائِحِ الَّتِي كَانَ عَمِّي يَحْتَفِظُ بِهَا فِي الْمَنْزِلِ، فَأَجَبْتُ بِأَنِّي لَا أَعْرِفُ شَيْئاً عَمَّا جَرَى، فَأَنَا أَنْشَغِلُ بِالْفِلَاحَةِ وَالرَّعْيِ، وَلَا أَهْتَمُّ بِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، وَأَمَامَ إِنْكَارِي سَاقُونِي إِلَى الثَّكْنَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَرَمَوْنِي فِي حُجْرَةٍ لَيْسَ بِهَا لَا مَاءٌ وَلَا نُورٌ وَلَا فِرَاشٌ، وَكَانَتْ مُكْتَظَّةً بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمُحْتَجَزِينَ. كُنَّا نَنَامُ بِهَذِهِ الْحُجْرَةِ لَيْلاً، أَمَّا فِي النَّهَارِ فَنُسَاقُ إِلَى الْجِبَالِ لِنَقْلِ الْأَحْجَارِ نِكَايَةً بِنَا وَعِقَاباً لَنَا عَلَى انْتِمَائِنَا إِلَى الْحِزْبِ، وَبَقِينَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مُدَّةَ 18 يَوْماً أُحِلْنَا عَلَى مَحْكَمَةٍ مُكَوَّنَةٍ مِنَ الْحَاكِمِ وَالْقَائِدِ وَالْخَلِيفَةِ وَالشُّيُوخِ وَالْمُقَدَّمِينَ، وَبَعْدَ مُدَاوَلَةٍ شَكْلِيَّةٍ صَدَرَتْ فِي حَقِّنَا أَحْكَامٌ تَرَاوَحَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَعَامَيْنِ وَنِصْفٍ. وَبَعْدَ الْحُكْمِ نُقِلَ كُلُّ مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقُ إِلَى السُّجُونِ الْفِلَاحِيَّةِ كَالْعَاذِرِ وَعَيْنِ مُؤْمِنٍ، أَمَّا مَنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ دُونَ ذَلِكَ فَقَدْ أُودِعُوا فِي مِنْطَقَةٍ تُسَمَّى "الزَّرِيبَةَ" وَكُنْتُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ قَضَيْنَا هَذِهِ الْمُدَّةَ فِي الْوَرْشَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُومُ بِإِصْلَاحِ الطُّرُقِ الرَّابِطَةِ بَيْنَ تَافُوغَالْت وَالْقَبَائِلِ الْمُجَاوِرَةِ لَهَا، وَخِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَيْضاً كُنَّا نَبِيتُ فِي بُيُوتِ رِجَالِ الْقُوَّاتِ الْمُسَاعِدَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ حِرَاسَتَنَا، كَمَا كَانَتْ مَفْرُوضَةً عَلَيْهِمْ مِنْ لَدُنِ الْمُرَاقِبِ رَغْمَ شَظَفِ الْعَيْشِ الَّذِي كَانُوا يُعَانُونَ مِنْ قَسَاوَتِهِ. وَلَمَّا انْتَهَتْ مُدَّةُ حَبْسِي عُدْتُ إِلَى قَرْيَتِي، وَالسُّلْطَةُ لَمْ تَكْتَفِ بِمَا وَاجَهَتْ بِهِ الْمُتَظَاهِرِينَ مِنْ قَمْعٍ وَنَفْيٍ وَتَشْرِيدٍ، بَلْ عَيَّنَتْ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ أَشْخَاصاً مِنْ عُمَلَائِهَا لِلسَّهَرِ عَلَى مُرَاقَبَةِ حَرَكَاتِ السُّكَّانِ، كَمَا فَرَضَتْ عَلَى كُلِّ مَنْ يُرِيدُ التَّنَقُّلَ مِنْ قَبِيلَةٍ إِلَى أُخْرَى الْحُصُولَ عَلَى رُخَصٍ مِنَ الشُّيُوخِ أَوِ الْمُقَدَّمِينَ، وَعِنْدَ حُلُولِهِ إِلَى إِحْدَى الْقَبَائِلِ يَنَبَغِي إِشْعَارُ شَيْخِهَا أَوْ مُقَدَّمِهَا بِذَلِكَ، وَلَمْ تَكْتَفِ السُّلْطَةُ الْإِسْتِعْمَارِيَّةُ بِهَذِهِ الْمُضَايَقَةِ، بَلْ كَثَّفَتْ مِنْ وُجُودِ الْحُرَّاسِ فِي جَمِيعِ الْمَسَالِكِ الْحَسَّاسَةِ فِي الْمِنْطَقَةِ، وَكَانَ الْأَشْخَاصُ غَيْرُ الْمُنْتَمِينَ لِهَذِهِ الْمِنْطَقَةِ يُحْتَجَزُونَ وَلَا يُطْلَقُ سَرَاحُهُمْ إِلَّا بَعْدَ بَحْثٍ دَقِيقٍ مُضْنٍ. وَهَكَذَا صَارَتِ الْمِنْطَقَةُ تَعِيشُ حَالَةَ حِصَارٍ، وَقَدْ جُنِّدَتْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فِرَقٌ مِنْ مُخْتَلَفِ الْجُيُوشِ وَفِيهِمُ الْمُشَاةُ وَالْخَيَّالَةُ، وَالْمُمْتَطُونَ عَلَى الدَّبَّابَاتِ وَالْمُصَفَّحَاتِ وَالْمُجَنَّزَرَاتِ مِمَّا حَوَّلَ مِنْطَقَةَ بَنِي زْنَاسَن إِلَى سِجْنٍ كَبِيرٍ يَصْعُبُ التَّحَرُّكُ دَاخِلَهُ دُونَ مُضَايَقَةٍ، وَأَذْكُرُ فِي هَذَا الصَّدَدِ أَنَّ الَّذِي سَاعَدَنَا عَلَى التَّنَقُّلِ مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، هُوَ أَنَّنَا كُنَّا نَتَعَاطَى تَهْرِيبَ السِّلَعِ مِمَّا مَكَّنَنَا مِنْ مَعْرِفَةِ مَسَالِكِ الْمِنْطَقَةِ وَمَعَابِرِهَا. فَبِمُجَرَّدِ إِطْلَاقِ سَرَاحِنَا، بَدَأْنَا نَتَّصِلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنَ الْوَطَنِيِّينَ دُونَ اعْتِقَالٍ وَخَاصَّةً بِمَدِينَةِ وَجْدَة، وَذَلِكَ ضِمْنَ إِشْتِغَالِنَا بِجَلْبِ الْبَضَائِعِ مِنْهَا إِلَى تَافُوغَالْت، وَكُنَّا نَسْتَغِلُّ هَذَا الْعَمَلَ فِي تَسْرِيبِ الْجَرَائِدِ وَلَا سِيَّمَا جَرِيدَةَ الْعَلَمِ الَّتِي كَانَتْ تَخْضَعُ لِلرَّقَابَةِ الْإِسْتِعْمَارِيَّةِ. وَلَبِثْنَا هَكَذَا نَنْتَظِرُ، إِلَى أَنِ اتَّصَلَ بِنَا الْمَدْعُو "مِيد" الَّذِي كَوَّنَ مُنَظَّمَةً فِدَائِيَّةً بِتَنْسِيقٍ مَعَ مُنَظَّمَةِ مُحَمَّدٍ الزَّرْقْطُونِي فِي الدَّارِ الْبَيْضَاءِ، وَالَّتِي كَانَ مِنْ أَعْضَائِهَا مُحَمَّدٌ بَالْبَشِير الْفِجِيجِي وَمَلَّالٌ أُوقَاضِي الْفِجِيجِي، فَفِي الْبِدَايَةِ كَانَ الْقَصْدُ هُوَ انْتِقَاءَ عَنَاصِرَ مَوْثُوقٍ فِي وَطَنِيَّتِهَا وَمَشْهُودٍ لَهَا بِالشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ وَنُكْرَانِ الذَّاتِ، ثُمَّ إِنْشَاءَ وَتَوْسِيعَ مَجْمُوعَاتِ الْعَمَلِ الْفِدَائِيِّ وَنَشْرَهُ فِي مُخْتَلَفِ أَنْحَاءِ الْمَغْرِبِ. وَفِي هَذَا النِّطَاقِ بَعَثَ مُحَمَّدٌ بَالْبَشِير، مَلَّالاً إِلَى الْحَاجِّ "بُوبُو" الَّذِي كَانَ بِوَجْدَة مِنْ أَجْلِ تَأْسِيسِ مُنَظَّمَةٍ فِدَائِيَّةٍ، وَبِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ النَّاسَ كَثِيراً بِهَذِهِ الْمَدِينَةِ اتَّصَلَ بِـ "خَيْر أَحْمَد" الْمَدْعُو "مِيد" حَيْثُ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ تَعْلِيمَاتٍ أُعْطِيَتْ لَهُ مِنْ لَدُنْ فِدَائِيِّي الدَّارِ الْبَيْضَاءِ بِشَأْنِ إِنْشَاءِ مُنَظَّمَاتٍ فِدَائِيَّةٍ بِوَجْدَة، وَلِهَذَا يَنَبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، وَبِمَا أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ كَانَتْ لَهُ عَلَاقَاتٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالْعَنَاصِرِ الْمُخْلِصَةِ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ، تَوَفَّقَ فِي تَكْوِينِ خَلِيَّةٍ سِرِّيَّةٍ مُتَرَكِّبَةٍ مِنْ: مُحَمَّدِ بْنِ الشَّرِيفِ، وَمُحَمَّدِ بْلَخْضَر الدَّاوُدِي، وَالْمَهْدِي دَرْوِيش، وَمُحَمَّدِين بْلَخْضَر الدَّاوُدِي، وَبُوجُمْعَة الْبَرْنُوصِي، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْفِجِيجِي، وَرَمَضَانَ الْقَاضِي، وَالْمُنَوَّرِ الْكِشَاطِي، وَبُودْلَال. وَبِهَذِهِ الْعَنَاصِرِ تَكَوَّنَتْ أَوَّلُ خَلِيَّةٍ فِدَائِيَّةٍ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ، ابْتِدَاءً مِنْ 15 فِبْرَايِر 1954، وَكَانَتْ أَوَّلُ عَمَلِيَّةٍ قَامَتْ بِهَا هَذِهِ الْخَلِيَّةُ فِي 15 مَارِس مِنْ نَفْسِ الْعَامِ. وَلِتَوْسِيعِ الْعَمَلِ الْفِدَائِيِّ فِي الْمِنْطَقَةِ، اتَّصَلَ بِنَا "مِيد" وَاقْتَرَحَ مُسَاعَدَتَنَا عَلَى نَقْلِ الْبَضَاعَةِ مِنْ قَرْيَةِ أَرْسَلَان بِنَاحِيَةِ تَافُوغَالْت إِلَى وَجْدَة عَلَى مَتْنِ سَيَّارَتِهِ، كُلُّ هَذَا دُونَ أَنْ يُخْبِرَنَا بِقَصْدِهِ الْحَقِيقِيِّ مِنْ هَذِهِ الْمُسَاعَدَةِ. فَحَبَّذْنَا فِكْرَتَهُ مُعْتَبِرِينَ ذَلِكَ فِي مَصْلَحَتِنَا. وَذَاتَ يَوْمٍ أَخْبَرَ السَّيِّدُ "مِيد" أَحَدَ رُفَقَائِنَا وَهُوَ امْبَارَك الْكَبْدَانِي أَنَّ هُنَاكَ أَشْخَاصاً يُرِيدُونَ جَلْبَ بَضَائِعَ مِنْ مَدِينَةِ النَّاظُور، وَالْمَطْلُوبُ هُوَ مُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى اجْتِيَازِ الْحُدُودِ، فَاسْتَفْسَرَهُ عَمَّا إِذَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى اجْتِيَازِ الْجِبَالِ وَالْغَابَاتِ لَيْلاً عَلَى أَرْجُلِهِمْ، فَأَجَابَهُ كَيْفَ مَا كَانَ الْحَالُ فَالْمَطْلُوبُ مِنْكَ هُوَ مُرَافَقَتُهُمْ، فَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ أَتَى بِهِمْ مُبَارَك الْكَبْدَانِي فِي سَيَّارَةٍ كَانَ يَمْلِكُهَا مَيْمُون الرَّامِي، ثُمَّ ظَلُّوا وَبَاتُوا فِي قَرْيَةِ أَرْسَلَان، وَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ رَحَلَ بِهِمْ إِلَى زَايُو حَيْثُ كَانَ فِي اسْتِقْبَالِهِمْ أَشْخَاصٌ مِنْهُمُ الْمُسَمَّى الدَّرَّاز، وَهَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصُ مِنَ الَّذِينَ الْتَجَأُوا مِنَ الْمِنْطَقَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ النُّفُوذِ الْفَرَنْسِيِّ إِلَى الْمِنْطَقَةِ الْخَلِيفِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَلُّهَا إِسْبَانْيَا. وَلَمَّا عَادَ مُبَارَك الْكَبْدَانِي بَعْدَ أَدَاءِ مُهِمَّتِهِ، أَخْبَرَنِي أَنَّ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ قَامَ بِمُرَافَقَتِهِمْ إِلَى زَايُو لَيْسُوا مِنَ الْمُهَرِّبِينَ وَإِنَّمَا هُمْ مِنَ الْفِدَائِيِّينَ الَّذِينَ يُلَاحِقُهُمُ الْبُولِيسُ الْفَرَنْسِيُّ، ثُمَّ اقْتَرَحَ عَلَيَّ تَكْوِينَ مُنَظَّمَةٍ فِدَائِيَّةٍ لِلْعَمَلِ مَعَهُمْ، فَرَحَّبْتُ بِالاقْتِرَاحِ وَقُلْتُ لَهُ هَذَا مَا كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ مُنْذُ مُدَّةٍ، وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنِي سَأُسَاهِمُ بِمَسَدَّسَيْنِ كَانَا فِي حَوْزَةِ وَالِدِي، وَبِهِمَا نَنْتَطِلِقُ فِي عَمَلِنَا. وَبَعْدَ ذَلِكَ تَحَوَّلْنَا مِنْ جَمَاعَةٍ تُمَارِسُ التَّهْرِيبَ إِلَى جَمَاعَةٍ لِلْعَمَلِ الْفِدَائِيِّ فِي سَبِيلِ الْوَطَنِ. وَحَدَثَ أَنَّ أَحَدَ الْأَفْرَادِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَنَا فِي التَّنْظِيمِ وَيُسَمَّى عَبْدَ الْقَادِرِ زَايِد، اعْتُقِلَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى مَتْنِ سَيَّارَةٍ فِي مِلْكِ "مِيد" الَّذِي كَانَ مُتَابَعاً مِنْ لَدُنِ السُّلُطَاتِ الْإِسْتِعْمَارِيَّةِ، ثُمَّ أُودِعَ فِي سِجْنِ تَافُوغَالْت. أَمَّا الْأَعْضَاءُ الْآخَرُونَ فِي التَّنْظِيمِ وَأَنَا مِنْهُمْ، فَقَدْ بَقُوا يَسْتَقْبِلُونَ الْفَارِّينَ مِنَ الدَّارِ الْبَيْضَاءِ وَيُسَاعِدُونَهُمْ عَلَى اجْتِيَازِ الْحُدُودِ، وَأَذْكُرُ أَيْضاً فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّنَا لَمَّا وَصَلْنَا إِلَى مَدِينَةِ زَايُو تَسَلَّمْنَا مِنَ الدَّرَّاز كَمِّيَّةً مِنَ السِّلاَحِ وَرَجَعْنَا بِهَا إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة، وَهَكَذَا أَصْبَحَتْ مُهِمَّتُنَا هِيَ مُسَاعَدَةَ الْفِدَائِيِّينَ عَلَى الْهَرُوبِ إِلَى النَّاظُور وَجَلْبَ الْأَسْلِحَةِ مِنْهَا إِلَى وَجْدَة. هَذَا قَبْلَ أَنْ نُنْشِئَ الْمَرَاكِزَ. وَذَاتَ يَوْمٍ كُنْتُ بِمَدِينَةِ وَجْدَة فَطَلَبَ مِنِّي "مِيد" مُصَاحَبَتَهُ إِلَى شَخْصٍ يُدْعَى بُوجُمْعَة الْبَرْنُوصِي أَحَدِ أَفْرَادِ التَّنْظِيمِ وَكَانَ لَهُ مَتْجَرٌ فِي "سُوقِ الْغَزْلِ" وَلَمَّا الْتَقَيْنَا بِهِ فِي مَتْجَرِهِ أَعْطَانِي مَسَدَّساً وَأَخْبَرَنِي أَنَّنَا سَنَقُومُ بِعَمَلِيَّةٍ فِدَائِيَّةٍ، ثُمَّ تَوَجَّهْنَا صَوْبَ الْمَكَانِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ الشَّخْصُ الْمُسْتَهْدَفُ بِالْعَمَلِيَّةِ، أَوْقَفَنِي وَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْمُهِمَّةَ صَعْبَةٌ، وَحَاوَلْنَا مَرَّةً أُخْرَى دُونَ جَدْوَى لِأَنَّ مُرَافِقِي كَانَ مُتَرَدِّداً، وَفِي الْأَخِيرِ انْسَحَبْنَا دُونَ الْقِيَامِ بِأَيِّ شَيْءٍ، وَهُنَا شَكَكْتُ فِي الْأَمْرِ، هَلْ كَانَ "مِيد" يُجَرِّبُنِي أَمْ مَاذَا ؟ بَقِيَتْ جَمَاعَتُنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ نُهَرِّبُ الْمُلَاحَقِينَ مِنْ لَدُنِ الْأَمْنِ الْفَرَنْسِيِّ إِلَى زَايُو وَمِنْهَا نَجْلِبُ السِّلاَحَ لِلْفِدَائِيِّينَ الَّذِينَ كَانَ يُشْرِفُ عَلَيْهِمْ "مِيد" إِلَى أَنْ تَمَكَّنَ هَذَا الْآخِرُ مِنْ رَبْطِ عَلَاقَةٍ مَعَ مُنَظَّمَةٍ أُخْرَى كَانَ عَلَى رَأْسِهَا الْمَدْعُو "عَبْدُ الْقَادِرِ بَالْبَشِير" لَكِنَّ هَذِهِ الْمُنَظَّمَةَ كُشِفَتْ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ بِأَيِّ شَيْءٍ وَاعْتُقِلَ كُلُّ أَفْرَادِهَا مَا عَدَا الْمَدْعُوَّ الصَّالِحِي مُحَمَّد الْبُوزَكَاوِي الَّذِي تَمَكَّنَ مِنَ الْفِرَارِ هُوَ وَ"مِيد" إِلَى الشَّمَالِ، أَمَّا "مِيد" فَقَدْ خَلَفَهُ الْمَدْعُو "الْمَهْدِي دَرْوِيش". وَقَدْ قُمْتُ بِتَهْرِيبِ "مِيد" وَالْبُوزَكَاوِي حَيْثُ أَوْصَلْتُهُمَا إِلَى أَحَدِ الْمَرَاكِزِ الْفِدَائِيَّةِ الْمَوْجُودِ عَلَى شَاطِئِ نَهْرِ مَلْوِيَة وَسَلَّمْتُهُمَا لِلْمَدْعُو "الْقَاسِمِي مُحَمَّد" ثُمَّ عُدْتُ بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدْتُ مِنْ نَجَاتِهِمَا. وَبَعْدَهُمَا اكْتُشِفَ أَمْرُ اثْنَيْنِ مِنْ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ وَهُمَا مُحَمَّد الشَّرِيف وَمُصْطَفَى بْنُ رَمَضَان مِمَّا اضْطَرَّهُمَا لِلْفِرَارِ إِلَى النَّاظُور، أَمَّا الْمَدْعُو مُحَمَّد الدَّاوُدِي فَقَدْ تَوَجَّهَ إِلَى فَاس بَيْنَمَا قَصَدَ الْمَدْعُو مَيْمُون الرَّامِي الْجَزَائِرَ، وَكَمَا تَمَّتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فَقَدْ تَوَلَّى رِئَاسَةَ الْفِرْقَةِ الْمَدْعُو الْمَهْدِي دَرْوِيش، أَمَّا نَحْنُ الَّذِينَ لَمْ نُكْتَشَفْ فَقَدِ اسْتَمْرَرْنَا فِي عَمَلِنَا نُهَرِّبُ الْمُلَاحَقِينَ مِنَ الْبُولِيسِ، وَنَجْلِبُ السِّلاَحَ مِنَ النَّاظُور. وَفِي نُوفَمْبِر 1954، طَلَبَ مِنِّي امْبَارَك الْكَبْدَانِي التَّوَجُّهَ إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة لِلِاتِّصَالِ بِرَمَضَانَ الْقَاضِي، وَكَانَ إِذَّاك مُقَاوِلاً لَهُ وَرْشَةٌ مَوْجُودَةٌ فِي حَيِّ لَازَارِي، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، وَفِعْلاً تَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ وَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ بِاسْمِ عَلِيٍّ، وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي عُرِفْتُ بِهِ ضِمْنَ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ (الِاسْم الْحَرَاكِيّ)، أَمَّا الْمُهِمَّةُ الَّتِي قُمْتُ بِهَا فَهِيَ تَهْرِيبُ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْفِدَائِيِّينَ أُكْتُشِفَ أَمْرُهُمْ بِالدَّارِ الْبَيْضَاءِ، وَطُلِبَ مِنِّي الِانْتِظَارُ وَأَنْ لَا أَتَّصِلَ بِأَيِّ أَحَدٍ إِلَّا بِوَاحِدٍ كَانَ يَعْمَلُ مَعَهُ فِي الْوَرْشَةِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ سَلَّام الْفِجِيجِي الَّذِي كَانَ عُضْواً فِي التَّنْظِيمِ. وَانْتَظَرْتُ إِلَى الْمَسَاءِ حِينَ أَمَدَّنِي بِمِفْتَاحِ حُجْرَةٍ فِي الْوَرْشَةِ بَعْدَ انْصِرَافِ الْعَامِلِينَ فِيهَا، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِيَأْتِيَنِي بِطَعَامِ الْعَشَاءِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ، وَانْتَظَرْتُ إِلَى الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ، وَنِمْتُ إِلَى السَّاعَةِ السَّابِعَةِ صَبَاحاً وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي عَادَ فِيهِ الْعُمَّالُ لِلْعَمَلِ، وَلَمَّا لَمْ يَأْتِ صَاحِبُ الْوَرْشَةِ تَفَرَّقُوا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ عَبْدِ الْحَقِّ عَنْ سَبَبِ غِيَابِ رَمَضَانَ الْقَاضِي، وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّهُ كَانَ سَيَأْتِينِي بِالْعَشَاءِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وَمَا كَانَ مِنْ مُحَمَّدِ عَبْدِ الْحَقِّ إِلَّا أَنْ أُخِذَ مُتَوَجِّهاً إِلَى الْوَرْشَةِ حَيْثُ تَمَّ اعْتِقَالُ كُلِّ مَنْ وُجِدَ فِيهَا، وَلَمَّا شَاهَدْنَا ذَلِك افْتَرَقْنَا حَيْثُ قَصَدْتُ الْمَهْدِي دَرْوِيش وَأَشْعَرْتُهُ بِمَا وَقَعَ، بَيْنَمَا تَوَجَّهَ هُوَ إِلَى شَخْصٍ كَانَتْ حِرْفَتُهُ "إِصْلَاحَ الدَّرَّاجَاتِ". وَكَانَ رَمَضَانُ الْقَاضِي يَزُورُهُ أَحْيَاناً لِيُسَاعِدَهُ عَلَى ضَبْطِ حِسَابَاتِ الْوَرْشَةِ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ تَوَجَّهْتُ بِرِفْقَةِ الْمَهْدِي دَرْوِيش إِلَى سُوقِ الْغَزْلِ لِلِاتِّصَالِ بِبُوجُمْعَة الْبَرْنُوصِي، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عِلْمٍ بِمَا وَقَعَ لِرَمَضَانَ الْقَاضِي، حَتَّى سَمِعْنَا النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ فِدَائِيٍّ تَنَاوَلَ قُرْصاً مِنَ السَّمِّ وَأَخَذَتْهُ الشُّرْطَةُ إِلَى الْمُسْتَشْفَى، فَخَطَرَ بِبَالِنَا أَنَّ الْمَعْنِيَّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ، وَهُنَا اتَّصَلْنَا بِعَائِشَة بُودْلَال الَّتِي كَانَتْ مَعَنَا فِي الْمُنَظَّمَةِ، وَطَلَبْنَا مِنْهَا أَنْ تُمِدَّنَا بِمَعْلُومَاتٍ حَوْلَ مَا حَدَثَ، وَهَذَا مَا قَامَتْ بِهِ حَيْثُ عَادَتْ إِلَيْنَا وَأَخْبَرَتْنَا بِأَنَّ رَمَضَانَ الْقَاضِي قَدْ مَاتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَقِّ خَاضِعٌ لِعَمَلِيَّةِ إِنْقَاذٍ مِنَ الْمَوْتِ بِسَبَبِ مُحَاوَلَتِهِ الِانْتِحَارَ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ قُرْصاً مِنَ السَّمِّ. أَمَامَ هَذِهِ الْفَاجِعَةِ قَرَّرْنَا أَنْ نُغَادِرَ الْمَدِينَةَ خَوْفاً مِنْ أَنْ يَعْتَرِفَ بِنَا مُحَمَّدُ عَبْدِ الْحَقِّ فَنُعْتَقَلَ، وَفِعْلاً غَادَرَ الْمَهْدِي وَبُوجُمْعَة وَمُحَمَّدٌ وَلَدُ الْحَاجِّ السَّعِيدِ حَيْثُ الْتَحَقُوا بِمَرْكَزٍ يُوجَدُ فِي تَافُوغَالْت وَانْتَظَرُوا إِلَى أَنْ أَتَاهُمُ امْبَارَك الْكَبْدَانِي الَّذِي هَرَّبَهُمْ إِلَى الشَّمَالِ. أَمَّا أَنَا فَقَدْ تَوَجَّهْتُ إِلَى قَرْيَتِي لِأَكُونَ رَهْنَ الْإِشَارَةِ لِتَهْرِيبِ الْمُتَوَارِينَ، أَمَّا مَوْتُ رَمَضَانَ الْقَاضِي فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمَّا تَرَكَنِي فِي الْحُجْرَةِ تَوَجَّهَ إِلَى وَسَطِ الْمَدِينَةِ، وَبَيْنَمَا هُوَ مَارٌّ فِي زُقَاقِ حَمَّامِ الصَّابُونِي الْتَقَى بِشُرْطِيٍّ مَغْرِبِيٍّ هُوَ "رَحَّال" فَقَرَّرَ قَتْلَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَمَا حَاوَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْلِحْ لِأَنَّ الْمَسَدَّسَ لَمْ يُسْعِفْهُ، وَعِنْدَمَا شَعَرَ الشُّرْطِيُّ بِذَلِك أَطْلَقَ عَلَيْهِ عِيَارَاتٍ مِنْ مَسَدَّسِهِ فَأَرْدَاهُ قَتِيلاً، هَذَا مَا جَرَى لِرَمَضَانَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ. وَذَاتَ يَوْمٍ وَفَدَ عَلَيَّ فِي مَنْزِلِي بِتَافُوغَالْت مُحَمَّدٌ الدَّاوُدِي لِأُسَاعِدَهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى النَّاظُور، لَكِنَّهُ اسْتَدْرَكَ فَطَلَبَ مِنِّي التَّرَيُّثَ، وَانْتِظَارَ مَا سَيَتَمَخَّضُ عَنْهُ التَّحْقِيقُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَلَرُبَّمَا نَكُونُ فِي غِنًى عَنِ الْفِرَارِ، فَوَافَقْتُهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة تَارِكاً حَقِيبَتَهُ عِنْدِي مُخْبِراً إِيَّايَ أَنَّهُ شَعَرَ بِخَطَرٍ، وَلِهَذَا سَيَعُودُ لِلتَّوَجُّهِ إِلَى النَّاظُور. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّاوِي يَشْتَغِلُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ حِرْفَتُهُ "رَصَّاصٌ" قَدْ عَادَ إِلَى وَرْشَتِهِ كَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَقَعْ، وَلَكِنَّهُ فُوجِئَ ذَاتَ يَوْمٍ بِالشُّرْطَةِ تَعْتَقِلُهُ فِي مَقَرِّ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى إِعْتِرَافِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَقِّ بِانْتِمَائِهِ لِلْمُنَظَّمَةِ، وَسِيقَ إِلَى مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ. وَبِفِرَارِ الْمَجْمُوعَةِ سَابِقَةِ الذِّكْرِ، وَاسْتِشْهَادِ رَمَضَانَ الْقَاضِي وَاعْتِقَالِ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِي لَمْ يَبْقَ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُنَظَّمَةِ بِمَدِينَةِ وَجْدَة سِوَى عَائِشَة بُودْلَال وَالْمُنَوَّرِ الْكِشَاطِي. أَمَّا امْبَارَك الْكَبْدَانِي فَقَدْ جَاءَنِي بَعْدَ أَنْ هَرَّبَ الْأَعْضَاءَ الْمَذْكُورِينَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَحَدَ الْفِدَائِيِّينَ سَيَأْتِي مِنَ الدَّارِ الْبَيْضَاءِ وَالْمَطْلُوبُ مِنَّا اسْتِقْبَالُهُ فِي مَحَطَّةِ الْقِطَارِ بِالنَّعِيمَةِ حَسَبَ إِشَارَاتٍ مُقَرَّرَةٍ لِاسْتِقْبَالِهِ، وَفِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ كُنْتُ وَإِيَّاهُ فِي زِيَارَةِ أَحَدِ الْإِخْوَانِ الَّذِي أُطْلِقَ سَرَاحُهُ وَكَانَ الْوَقْتُ لَيْلاً وَإِذَا بِأَحَدِ أَقَارِبِهِ يُخْبِرُنَا بِأَنَّ سَيَّارَةً تُرَاقِبُ بَيْتَ امْبَارَك الْكَبْدَانِي وَتَحُومُ حَوْلَهُ، وَلَمْ نَنْتَظِرْ بَلْ سَارَعْنَا إِلَى مُغَادَرَةِ الْمَكَانِ خُفْيَةً. وَفِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ أَتَانِي امْبَارَك الْكَبْدَانِي إِلَى الدَّارِ وَطَلَبَ مِنِّي اصْطِحَابَهُ إِلَى مَحَطَّةِ النَّعِيمَةِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ رِجَالَ الدَّرَكِ اقْتَحَمُوا مَنْزِلَهُ وَفَتَّشُوهُ، وَاحْتَجَزُوا وَلَدَهُ وَزَوْجَتَهُ وَكُلَّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَذَلِكَ بِغَرَضِ الْحُصُولِ عَلَى مَعْلُومَاتٍ حَوْلَ امْبَارَك الْكَبْدَانِي الَّذِي كَانَتِ السُّلْطَةُ تَبْحَثُ عَنْهُ. وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى مَحَطَّةِ النَّعِيمَةِ، وَكَانَتِ السَّاعَةُ الرَّابِعَةَ، انْتَظَرْنَا حَتَّى نَزَلَ مَنْ كُنَّا فِي انْتِظَارِهِ فِي الْعَرَبَةِ، وَقَدِ اسْتَطَعْنَا تَمْيِيزَهُ مِنْ بَيْنِ الْمُسَافِرِينَ النَّازِلِينَ فِي هَذِهِ الْمَحَطَّةِ، وَبِإِشَارَاتٍ مِنَّا وَمِنْهُ، تَفَاهَمْنَا ثُمَّ ابْتَعَدْنَا عَنِ الْمَحَطَّةِ، وَتَبِعَنَا، وَلَمَّا تَأَكَّدْنَا مِنْ خُلُوِّ الْمَكَانِ تَقَدَّمْنَا إِلَيْهِ وَعَرَّفَنَا بِنَفْسِهِ فَإِذَا هُوَ السَّالِمِي بُوحَفْص الْفِجِيجِي. ثُمَّ قَرَّرْنَا الْمَبِيتَ فِي أَحَدِ الْبُيُوتِ الْخَرِبَةِ، وَكَانَتْ مُعَدَّةً لِتَجْمِيعِ الْأَدَوَاتِ الْفِلَاحِيَّةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ، وَكَانَ الْبَرْدُ قَارِساً، وَفِي الصَّبَاحِ افْتَرَقْنَا عَلَى أَنْ يَعُودَ بُوحَفْص إِلَى الدَّارِ الْبَيْضَاءِ وَامْبَارَك الْكَبْدَانِي إِلَى الْمَرْكَزِ بِقَرْيَةِ أَرْسَلَان، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عُدْتُ إِلَى وَجْدَة لِتَنْفِيذِ مُهِمَّةٍ كُلِّفْتُ بِهَا، وَلَمَّا أَنْجَزْتُهَا رَجَعْتُ إِلَى قَرْيَتِي حَيْثُ الْتَقَيْتُ بِامْبَارَك الْكَبْدَانِي فِي الْمَسَاءِ، وَزَوَّدْتُهُ بِمَعْلُومَاتٍ حَوْلَ أُمُورٍ تَخُصُّ مُنَظَّمَتَنَا، ثُمَّ غَادَرَ الْقَرْيَةَ مُتَوَجِّهاً لِلنَّاظُور. وَبَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، عَادَ بِرِفْقَةِ شَخْصٍ يُدْعَى الْبَشِير الَّذِي كَانَ يَقْطُنُ بِمُحَاذَاةِ ضَفَّةِ نَهْرِ مَلْوِيَة فِي الْمِنْطَقَةِ الْخَلِيفِيَّةِ، وَلَمَّا اتَّصَلَا بِي طَلَبَا مِنِّي التَّوَجُّهَ إِلَى وَجْدَة وَالِاتِّصَالَ بِالسَّيِّدِ إِبْرَاهِيم أُوكْرِيد الَّذِي كَانَ مَتْجَرُهُ فِي طَرِيقِ صَفْرُو بِوَجْدَة، وَلَمَّا اتَّصَلْتُ بِهِ أَخْبَرْتُهُ بِأَنَّ الْإِخْوَانَ فِي النَّاظُور وَمِنْهُمُ الْحَاجُّ بُوبُو وَ"مِيد" خَيْر أَحْمَد يَطْلُبَانِ مِنْهُ تَكْوِينَ خَلِيَّةٍ فِدَائِيَّةٍ وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِتَزْوِيدِهِ بِمَا يَلْزَمُ مِنَ السِّلاَحِ، لَكِنَّهُ اعْتَذَرَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ مُبَرِّراً اعْتِذَارَهُ بِكَوْنِ الْفِجِيجِيِّينَ الْقَاطِنِينَ بِوَجْدَة أَقَلِّيَّةً، وَهُمْ مُرَاقَبُونَ مِنْ لَدُنْ شُرْطَةٍ خَاصَّةٍ بَعْدَ فِرَارِ "مِيد"، وَإِنْ كَانَ لَابُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَاتْرُكْ لِي الْفُرْصَةَ لِأَتَدَبَّرَ الْأَمْرَ عَسَايَ أَجِدُ مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، وَطَلَبَ مِنِّي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ لِيُطْلِعَنِي عَمَّا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ فِي الْمَوْضُوعِ. وَعُدْتُ إِلَى الْقَرْيَةِ لِأُخْبِرَ امْبَارَك وَالْبَشِير بِمَوْقِفِ إِبْرَاهِيم أُوكْرِيد، فَعَادَا إِلَى النَّاظُور، وَبَعْدَ 15 خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ يَوْماً رَجَعَا مِنَ النَّاظُور وَبِنَفْسِ الطَّرِيقَةِ، وَطَلَبَا مِنَّا مَرَّةً أُخْرَى التَّوَجُّهَ إِلَى وَجْدَة وَالِاتِّصَالَ بِالسَّيِّدِ بُومَدْيِين وَهُوَ أَخُو بِلْحَاج بُوبُو، فَتَوَجَّهْتُ إِلَى وَجْدَة وَسَأَلْتُ عَنْ هَذَا الشَّخْصِ، وَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ تَاجِرٌ وَمَتْجَرُهُ بِوَجْدَة بِطَرِيقِ سِيدِي إِدْرِيس، وَبَعْدَ بَحْثٍ وَمَشَقَّةٍ وَجَدْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِأَنَّنِي مُوفَدٌ إِلَيْهِ مِنْ لَدُنْ أَخِيهِ بِلْحَاج وَمَلَّال أُوقَاضِي وَمِيدو أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْهُ تَأْسِيسَ خَلِيَّةٍ فِدَائِيَّةٍ، وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِتَزْوِيدِهِ بِمَا يَلْزَمُ مِنَ السِّلاَحِ، فَكَانَ رَدُّهُ مِثْلَ إِبْرَاهِيم أُوكْرِيد، وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ مُرَاقَباً مِنْ طَرَفِ رِجَالِ الشُّرْطَةِ بِسَبَبِ فِرَارِ أَخِيهِ بِلْحَاج، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى أَرْسَلَان وَأَخْبَرْتُ امْبَارَك وَالْبَشِير بِمَوْقِفِ بُومَدْيِين، وَعَادَا إِلَى النَّاظُور. وَبَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ امْبَارَك مِنَ النَّاظُور، وَمُحَمَّدٌ الْبَشِير "الْفَقِيه" مِنَ الدَّارِ الْبَيْضَاءِ بِرِفْقَةِ مَيْمُون الدَّاوُدِي وَالْتَقَيْنَا بِالْمَرْكَزِ فِي أَرْسَلَان، وَكَانَتِ الْمُهِمَّةُ هِيَ تَهْرِيبَ "الْفَقِيه" إِلَى النَّاظُور. وَقَدْ سَلَكْنَا بِهِ طُرُقاً جَبَلِيَّةً وَعِرَةً، كُنْتُ أَضْطَرُّ أَحْيَاناً إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَهْرِي مَسَافَةَ كِيلُومِتْرَاتٍ لِأَنَّهُ كَانَ "كَفِيفاً" مِنْ جِهَةٍ، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ كَانَ لَيْلاً، وَلَمَّا أَوْصَلْتُهُ إِلَى الْمَرْكَزِ الْقَرِيبِ مِنْ نَهْرِ مَلْوِيَة، سَلَّمْتُهُ لِمَنْ كَانَ يَنْتَظِرُهُ لِيَقُودَهُ إِلَى الضَّفَّةِ الْأُخْرَى، وَعُدْتُ إِلَى قَرْيَتِي. سُؤَالٌ: مَا أَثَرُ حُلُولِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَشِير بِالنَّاظُور ؟ الْجَوَابُ: كَانَ لِحُلُولِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَشِير الْفِجِيجِي بِمَدِينَةِ النَّاظُور آثَارٌ إِيجَابِيَّةٌ عَلَى الْعَمَلِ الْفِدَائِيِّ، فَقَدْ قَامَ بِإِحْدَاثِ تَغْيِيرَاتٍ مُهِمَّةٍ عَلَى وَضْعِيَّةِ اللَّاجِئِينَ، حَيْثُ خَصَّصَ لِكُلِّ فِئَةٍ مِنْهُمْ مَكَاناً لِلْإِقَامَةِ، فَلِأَصْحَابِ 16 غُشْت مَكَانٌ وَلِلْبَرِكَانِيِّينَ مَكَانٌ، وَلِلْمُنْتَمِينَ لِلْجَمَاعَاتِ مَكَانٌ... وَقَدْ جَمَعَ هَؤُلَاءِ فِي مَرْكَزٍ خَاصٍّ بِهِمْ، وَمِنْهُمْ كَوَّنَ فِرَقاً فِدَائِيَّةً تَتَنَاوَبُ إِمَّا عَلَى تَسْرِيبِ السِّلاَحِ إِلَى وَجْدَة، أَوْ الْقِيَامِ بِعَمَلِيَّاتٍ فِدَائِيَّةٍ، أَوْ بِتَهْرِيبِ مَنْ إِنْكَشَفَ أَمْرُهُمْ مِنْ لَدُنْ سُلُطَاتِ الْحِمَايَةِ. وَكَانَ يَقُودُ هَذِهِ الْمَجْمُوعَاتِ تَارَةً امْبَارَك الْكَبْدَانِي وَأُخْرَى عَبْدُ الْقَادِرِ زَايِد. وَمِنَ الْمَجْمُوعَاتِ الَّتِي كُلِّفَتْ بِالْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ فِدَائِيَّةٍ هِيَ الَّتِي تَشَكَّلَتْ مِنْ سَبْعَةِ أَشْخَاصٍ، وَقَدْ أُصِيبَ أَحَدُهُمْ بِعَطَبٍ فِي رِجْلِهِ مِمَّا اضْطَرَّ أَحَدَهُمْ لِلرُّجُوعِ بِهِ إِلَى النَّاظُور، أَمَّا الْبَقِيَّةُ فَقَدْ عَرَّجُوا عَلَى مَرَاكِزِ أَوْلَاد داوُود، وَكَانَتْ عِبَارَةً عَنْ مَطَامِيرَ لِلْإِخْتِبَاءِ، وَالَّتِي كَانَ الْمُقَاوِمُونَ يُطْلِقُونَ عَلَيْهَا اسْمَ "فُنْدُق سِيمُو" وَمِمَّا زَادَ فِي خُطُورَةِ الْوَضْعِ، أَنَّ الْمِنْطَقَةَ كَانَتْ تَحْتَ مُرَاقَبَةِ شَيْخٍ سَبَقَ لَهُ أَنْ كَانَ جُنْدِيّاً فِي الْجَيْشِ الْفَرَنْسِيِّ، مِمَّا حَوَّلَهُ إِلَى شَخْصٍ عَنِيدٍ وَشَدِيدِ الْعَدَاوَةِ لِلْمُوَاطِنِينَ. وَقَدِ اقْتَرَحَ أَحَدُ الْإِخْوَانِ قَتْلَهُ، لَكِنَّ الْبَعْضَ رَفَضَ نَظَراً لِمَا قَدْ يَنْتُجُ عَنْ مَقْتَلِهِ مِنْ تَشْدِيدٍ عَلَى الْمِنْطَقَةِ وَأَهْلِهَا، وَبَدَلاً مِنْ قَتْلِهِ اكْتُفِيَ بِالِاحْتِيَاطِ مِنْهُ وَتَجَنُّبِ إِذَايَتِهِ. وَقَدِ اضْطُرَّتِ الْمَجْمُوعَةُ لِلْبَقَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةً، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ إِلَى الْعُيُونِ، وَأَثْنَاءَ الطَّرِيقِ الْتَقَى بِهِمْ مَخْزَنِيٌّ وَأَوْقَفَهُمْ مُسْتَفْسِراً عَنْ هُوِيَّتِهِمْ وَمَقْصِدِهِمْ، وَأَخْبَرُوهُ بِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ السُّوقَ لِقَضَاءِ مَآرِبِهِمْ، لَكِنَّهُ شَكَّ فِي أَمْرِهِمْ، وَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ قَتَلُوهُ وَعَادُوا مِنْ حَيْثُ أَتَوْا ثُمَّ إِلَى النَّاظُور. وَقَدْ كُلِّفْتُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة لِلْوُقُوفِ عَلَى الْحَانَاتِ الَّتِي كَانَ يَلْتَقِي فِيهَا عَنَاصِرُ مِنَ الْأَجَانِبِ الَّذِينَ يَقْطُنُونَ فِي الْمَدِينَةِ، عَلَى أَنْ أَعُودَ إِلَى الْمَرْكَزِ بِقَائِمَةِ هَذِهِ الْحَانَاتِ وَمَوَاقِعِهَا، وَكَانَ هَذَا الْمَرْكَزُ هُوَ مَنْزِلَ شَخْصٍ يُدْعَى بْنِعَبُّو إِدْرِيس، وَفِعْلاً تَوَجَّهْتُ إِلَى وَجْدَة، وَاطَّلَعْتُ عَلَى بَعْضِ الْحَانَاتِ خَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي حَيٍّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمَحَلَّةُ، حَيْثُ تُوجَدُ ثَكْنَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ لِلْجَيْشِ الْفَرَنْسِيِّ، وَأَغْلَبُ سُكَّانِهِ مِنَ الْيَهُودِ الْفَرَنْسِيِّينَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ رَجَعْتُ إِلَى الْمَرْكَزِ وَكَانَ عَلَى بُعْدِ سَبْعَةِ كِيلُومِتْرَاتٍ مِنْ وَجْدَة، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِأَنَّ هُنَاكَ حَانَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ يَتَجَمَّعُ فِيهِمَا الْجُنُودُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأُورُوبِّيِّينَ إِحْدَاهُمَا فِي حَيٍّ يُسَمَّى "فِلَاج الطُّوبَة" وَالثَّانِيَةُ "الْمَحَلَّةُ". وَطَلَبَ مِنِّي امْبَارَك الْكَبْدَانِي الْعَوْدَةَ إِلَى وَجْدَة عَلَى أَسَاسِ أَنْ أَنْتَظِرَ فِي مَكَانٍ عَيَّنَهُ لِي، وَفِي الْمَوْعِدِ انْتَظَرْتُهُمْ حَتَّى جَاءُوا وَتَوَجَّهْتُ بِهِمْ إِلَى حَانَةِ "فِلَاج الطُّوبَة" وَكَانَ الْوَقْتُ عِشَاءً، فَدَخَلَ بَعْضُنَا إِلَى الْحَانَةِ بَيْنَمَا بَقِيَ آخَرُونَ خَارِجَهَا وَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِحْتِيَاطِ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ كُلِّفْتُ بِمُهِمَّةِ حِرَاسَتِهِمْ وَمُرَاقَبَةِ مَا يَحْدُثُ خَارِجَ الْحَانَاتِ، خَاصَّةً تَجَوُّلَ الشُّرْطَةِ وَدَوْرِيَّاتِ الْجُنُودِ الَّتِي كَانَتْ لَا تَتَوَقَّفُ فِي الْأَحْيَاءِ الْأُورُوبِّيَّةِ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ دَخَلَتْ مَجْمُوعَةٌ أُخْرَى مِنَ النَّاظُور وَتَتَكَوَّنُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْخَاصٍ مِنْهُمْ خَاصَّةً امْبَارَك الْكَبْدَانِي وَالْمَهْدِي دَرْوِيش وَالْمِيلُود الْهَمَّالِي، وَمُحَمَّدٌ وَلَدُ الشَّرِيفِ، وَمُصْطَفَى بَرَمَضَان، فَوَجَدُونَا فِي اسْتِقْبَالِهِمْ فِي مَرَاكِزِ أَرْسَلَان بِتَافُوغَالْت. وَلَمَّا أَنْهَوْا مُهِمَّتَهُمْ عَادُوا ثُمَّ تَوَجَّهْنَا إِلَى مَرْكَزِ بْنِعَبُّو إِدْرِيس الَّذِي بِتْنَا فِيهِ. وَفِي الصَّبَاحِ عُدْتُ إِلَى وَجْدَة فِي حِينِ تَوَجَّهَ الْبَاقُونَ إِلَى أَرْسَلَان ثُمَّ النَّاظُور بَعْدَ أَنِ الْتَحَقْتُ بِهِمْ، وَلَمَّا عُدْتُ إِلَى وَجْدَة عَلِمْتُ أَنَّ الْفَرَنْسِيِّينَ قَتَلُوا شَخْصَيْنِ كَرَدِّ فِعْلٍ عَلَى مَا حَدَثَ فِي الْحَانَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَبَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً وَفَدَ إِلَيَّ امْبَارَك الْكَبْدَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَشْخَاصاً جَاءُوا إِلَى مَرْكَزِ أَرْسَلَان، وَطَلَبُوا مِنِّي الِاتِّصَالَ بِاحْمِيدَة الْمَلْحَاوِي وَالْعِمْرَانِي أَحْمَد الَّذِي كَانَ مَعْرُوفاً بِأَحْمَد الْجَبَلِي وَذَلِكَ لِإِشْعَارِهِمْ بِأَنَّهُمْ سَيَتَوَصَّلُونَ بِالسِّلاَحِ قَرِيباً، وَبَحَثْتُ عَنْ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي حَتَّى وَجَدْتُهُ، وَكَانَ لَهُ مَرْأَبٌ فِي زُنْقَةِ فِجِيج، أَمَّا أَحْمَد الْجَبَلِي فَكُنْتُ أَعْرِفُهُ، كَانَ فَقِيهاً لَهُ كُتَّابٌ يُدَرِّسُ فِيهِ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ مُلَاصِقٌ لِجَامِعِ عُقْبَةَ، وَبَعْدَ الِاتِّصَالِ بِهِمَا عُدْتُ وَأَخْبَرْتُ امْبَارَك الْكَبْدَانِي بِأَنَّهُمَا مُسْتَعِدَّانِ، وَبَعْدَ مُرُورِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ عَادُوا إِلَيَّ وَلَدَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ مَسَدَّساً وَثَمَانِي قَنَابِلَ، وَطَلَبُوا مِنِّي إِيصَالَهُمَا إِلَى مَجْمُوعَةِ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي، تَوَجَّهْتُ إِلَى وَجْدَة بِصُحْبَةِ أَحَدِ أَفْرَادِ التَّنْظِيمِ وَهُوَ خَرْخَاش إِدْرِيس، فَسَلَّمْتُ خَمْسَةَ مَسَدَّسَاتٍ وَأَرْبَعَ قَنَابِلَ لِلْمَلْحَاوِي، وَأَرْبَعَ قَنَابِلَ لِأَحْمَد الْعِمْرَانِي، وَبِهَذَا تَكَوَّنَتْ مُنَظَّمَتَانِ فِدَائِيَّتَانِ إِحْدَاهُمَا بِإِشْرَافِ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي وَالْأُخْرَى بِإِشْرَافِ أَحْمَد الْعِمْرَانِي. وَلَمَّا أُطْلِقَ سَرَاحُ عَبْدِ الْقَادِرِ زَايِد زَارَنِي فِي الْمَنْزِلِ، وَطَلَبَ مِنِّي مُسَاعَدَتَهُ عَلَى الْإِلْتِحَاقِ بِامْبَارَك الْكَبْدَانِي، فَاعْتَذَرْتُ، مُبَرِّراً عَدَمَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ لِمَا يَنَجُمُ عَنْ مُغَادَرَةِ الْمَرْكَزِ مِنْ خَلَلٍ فِي الِاتِّصَالِ وَتَحَرُّكِ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ، وَكُلُّ مَا أَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ هُوَ إِرْشَادُهُ إِلَى شَخْصٍ فِي إِمْكَانِهِ مُسَاعَدَتُهُ عَلَى تَحْقِيقِ بُغْيَتِهِ إِضَافَةً إِلَى أَنَّهُ ابْنُ الْمِنْطَقَةِ وَعَلَى دِرَايَةٍ كَافِيَةٍ بِسُكَّانِهَا وَمَسَالِكِهَا، فَاَقْتَرَحْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى السَّيِّدِ امْحَمَّد الْفَسِيرِي فَهُوَ الَّذِي سَيُسَاعِدُهُ عَلَى اجْتِيَازِ نَهْرِ مَلْوِيَة وَيُسَلِّمُهُ لِلسَّيِّدِ الْبَشِير الَّذِي سَيَتَوَجَّهُ بِهِ إِلَى النَّاظُور، وَبَعْدَ أَنْ زَوَّدْتُهُ بِقَدَرٍ مِنَ الْمَالِ تَرَكَنِي وَلَسْتُ أَدْرِي مَاذَا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِك. أَمَّا الْمُنَظَّمَاتُ الْفِدَائِيَّةُ الَّتِي بِوَجْدَة فَقَدْ شَرَعَتْ فِي إِنْجَازِ بَعْضِ الْعَمَلِيَّاتِ الْمُسْتَهْدِفَةِ لِأَشْخَاصٍ أَوْ مَصَالِحِ الْمُعَمِّرِينَ، إِضَافَةً إِلَى مَا كَانَتْ تَقُومُ بِهِ جَمَاعَاتُ "الْكُومُونْدُو" مِنْ عَمَلِيَّاتٍ فِدَائِيَّةٍ وَجَلْبِ أَسْلِحَةٍ مِنَ النَّاظُور وَتَسْلِيمِهَا لِلْمُنَظَّمَاتِ الْفِدَائِيَّةِ وَتَهْرِيبِ الْفِدَائِيِّينَ الْمُلَاحَقِينَ مِنْ لَدُنِ الْبُولِيسِ الْإِسْتِعْمَارِيِّ وَهُمْ مِنْ مُخْتَلَفِ مَنَاطِقِ الْمَغْرِبِ. سُؤَالٌ: وَهَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ فِدَائِيِّي الدَّارِ الْبَيْضَاءِ تَنْسِيقٌ ؟ جَوَابٌ: أَجَلْ لَمْ نَكُنْ لِنَقُومَ بِمَا قُمْنَا بِهِ لَوْلَا وُجُودُ هَذَا التَّنْسِيقِ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَمِمَّا لَا زِلْتُ أَذْكُرُهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّ اسْمَ أَحَدِهِمْ عَبْدُ الْقَادِرِ وَالْآخَرُ سَالِمٌ، وَالثَّالِثُ مُحَمَّدٌ جِبْرَان وَكَانَ يُلَقَّبُ بِـ "الْأُسْتَاذِ" وَرَافَقْتُهُمْ إِلَى مَكَانٍ يُسَمَّى "بَنِي مُوسَى" وَمَا إِنْ وَصَلْنَا حَتَّى أَخَذَ الْمَطَرُ يَهْطُلُ بِغَزَارَةٍ فَاضْطَرَّنَا لِلْإِخْتِبَاءِ بِكُوَخٍ كَانَ الْفِلَّاحُونَ يَضَعُونَ فِيهِ أَدَوَاتِ عَمَلِهِمْ. وَقَدْ لَبِثْنَا فِيهِ لَيْلَةً وَنَهَاراً كَامِلَيْنِ، ثُمَّ انْتَقَلْنَا إِلَى مَرْكَزِ 5 الَّذِي كَانَ الْمُنَوَّرُ الْكِشَاطِي قَدْ خَصَّصَهُ كَمَخْبَأٍ لِلْفِدَائِيِّينَ النَّشِيطِينَ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَهُوَ مِلْكٌ لِأَخِيهِ مَوْلَاي إِدْرِيس الْكِشَاطِي، وَلَمَّا حَلَلْنَا بِالْمَرْكَزِ تَنَاوَلْنَا طَعَامَ الْعَشَاءِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ "مَحْرَشَةٍ وَشَايٍ" وَفِي الصَّبَاحِ تَوَجَّهْتُ إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة عَلَى أَنْ يَلْتَحِقَ بِي الْإِخْوَانُ الْآخَرُونَ وَلِتَنْفِيذِ مَا جَاءُوا إِلَى وَجْدَة مِنْ أَجْلِهِ. وَفِي الْمَسَاءِ انْتَظَرْتُهُمْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَبِالضَّبْطِ فِي مَكَانٍ اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ يَقَعُ عَلَى ضَفَّةِ وَادِي النَّاشِفِ، وَطَالَ انْتِظَارِي مِنْ دُونِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُمْ أَثَرٌ، وَفَجْأَةً لَاحَظْتُ كَوْكَبَةً مِنَ الْجُنُودِ الْفَرَنْسِيِّينَ، فَاضْطُرِرْتُ لِلْإِخْتِبَاءِ فِي غَارٍ كَانَ قَرِيباً مِنِّي لِحُسْنِ حَظِّي، وَبَقِيتُ دَاخِلَهُ أَنْتَظِرُ دُونَ جَدْوَى، وَهُنَا أَخَذَتِ الشُّكُوكُ تَنْتَابُنِي حَوْلَ عَدَمِ مَجِيءِ الْإِخْوَانِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَطُولَ انْتِظَارِي إِلَى وَقْتٍ مُتَأَخِّرٍ مِنَ اللَّيْلِ، وَقَدْ يُشَكُّ فِي أَمْرِي مِنْ طَرَفِ الدَّوْرِيَّاتِ الَّتِي كَانَتْ تَمُرُّ بَيْنَ الْحِينِ وَالْآخَرِ، وَكَمَا سَاوَرَنِي شَكٌّ فِي أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ اعْتُقِلُوا، وَهُنَا قَرَّرْتُ مُغَادَرَةَ الْمَكَانِ، وَقَصَدْتُ مَنْزِلَ الْمُنَوَّرِ الْكِشَاطِي وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا جَرَى، وَبِتُّ اللَّيْلَةَ عِنْدَهُ. وَلَمَّا حَلَّ الصَّبَاحُ الْتَقَيْتُ بِابْنِ عَبُّو الَّذِي أَخْبَرَنِي أَنَّ الْإِخْوَانَ قَدْ غَادَرُوا الْمَدِينَةَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى دَارِهِ الَّتِي تُوجَدُ فِي ضَوَاحِيهَا وَتَبْعُدُ عَنْهَا بِخَمْسَةِ كِيلُومِتْرَاتٍ تَقْرِيباً، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْبَحْثَ عَنِّي، وَقَدْ ظَنُّوا أَنَّنِي قَدِ اعْتُقِلْتُ، وَهُنَا طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ وَيَطْلُبَ مِنْهُمُ الْعَوْدَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى مَكَانِ الِانْتِظَارِ وَوَقْتِهِ. وَلَمَّا وَصَلُوا وَجَدُونِي فِي انْتِظَارِهِمْ، وَقَصَدْنَا مَرْكَزاً مِنْ مَرَاكِزِ التَّنْظِيمِ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ "مَرْكَزُ بُوغْرَارَة" وَفِيهِ بَاتُوا وَظَلُّوا، وَفِي الْمَسَاءِ قَامُوا بِعَمَلِيَّةٍ بِأَحَدِ طُرُقِ وَجْدَة، وَكَانَ لَا يَزَالُ يُسَمَّى "طَرِيق الدَّارِ الْبَيْضَاءِ" أَمَّا الْمُسْتَهْدَفُ بِالْعَمَلِيَّةِ فَقَدْ كَانَ يَهُودِيّاً. وَلَمَّا أَنْجَزُوا الْعَمَلِيَّةَ غَادَرْنَا الْمَدِينَةَ إِلَى مَرْكَزِ أَرْسَلَان. وَبَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَتْ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْإِخْوَانِ وَهُمْ امْبَارَك، وَسَالِم، وَالْمِيلُود الْهَمَّالِي، وَمُحَمَّدٌ وَلَدُ الشَّرِيفِ، وَطَلَبُوا مِنِّي تَدْبِيرَ انْتِقَالِهِمْ إِلَى وَجْدَة، وَلِتَلْبِيَةِ رَغْبَتِهِمْ قَصَدْتُ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي الَّذِي كَانَ يَمْلِكُ سَيَّارَةً مِنْ نَوْعِ بْلِيمُونْت، وَبِهَا نَقَلْنَا الْمَجْمُوعَةَ إِلَى وَجْدَة حَيْثُ أَعْدَدْنَا لِإِقَامَتِهِمْ مَنْزِلَ إِبْرَاهِيم السُّوسِي، وَلَمَّا حَلَّ اللَّيْلُ خَرَجْنَا مِنَ الْمَنْزِلِ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى حَيِّ دَرْبِ الْعَرَبِي لِتَنْفِيذِ عَمَلِيَّةٍ ضِدَّ مَحَطَّةِ الْبَنْزِينِ الَّتِي كَانَ يَمْلِكُهَا الْمَدْعُو الطَّيِّب أَحْمَد أَحَدُ عُمَلَاءِ الْإِسْتِعْمَارِ. لَكِنَّ الْعَمَلِيَّةَ لَمْ تُصِبْ هَدَفَهَا، فَقَدْ أَخْطَأَتِ الْمُسْتَهْدَفَ، وَأَصَابَتْ أَحَدَ زُبَنَائِهِ الَّذِي أُصِيبَ بِجُرْحٍ فِي يَدِهِ. وَفِي الْيَوْمِ الْمَوَالِي قَامُوا بِعَمَلِيَّةٍ أُخْرَى ضِدَّ أَحَدِ الشُّيُوخِ، وَهُوَ الْمَدْعُو حَدَّاد رَمَضَان، وَبَعْدَ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ غَادَرُوا الْمَدِينَةَ مَشْياً عَلَى الْأَقْدَامِ، مُتَوَجِّهِينَ إِلَى أَحَدِ الْمَرَاكِزِ خَارِجَهَا، وَبَيْنَمَا هُمْ فِي الطَّرِيقِ صَادَفَتْهُمْ كَوْكَبَةٌ مِنْ رِجَالِ الْقُوَّاتِ الْمُسَاعِدَةِ، فَأَوْقَفَتْهُمْ وَسَأَلَتْهُمْ عَمَّنْ يَكُونُونَ، فَأَجَابُوا: "نَحْنُ جُنُودُ اللَّهِ" فَنَطَقَ وَاحِدٌ مِنْ رِجَالِ الْكَوْكَبَةِ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" وَطَلَبَ مِنْهُمْ تَغْيِيرَ وِجْهَتِهِمْ، لِأَنَّ الْوِجْهَةَ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا مَحْرُوسَةٌ مِنْ لَدُنِ الْجُنُودِ الْفَرَنْسِيِّينَ. وَهَكَذَا نَجَوْا مِنَ الْإِعْتِقَالِ، وَوَصَلُوا سَالِمِينَ إِلَى مَرْكَزِ "أَرْسَلَان". سُؤَالٌ: مِمَّا يُذْكَرُ أَنَّ الْمُقَاوِمِينَ كَانُوا يُعَانُونَ مِنْ قِلَّةِ السِّلاَحِ، فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ ؟ جَوَابٌ: حَقّاً لَمْ نَكُنْ نَتَوَفَّرُ إِلَّا عَلَى مَسَدَّسَاتٍ قَلِيلَةٍ وَلَمْ نَكُنْ نَسْتَطِيعُ الْحُصُولَ عَلَيْهَا إِلَّا بِعَمَلِيَّاتِ سَطْوٍ نَقُومُ بِهَا ضِدَّ الشُّرْطَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ، وَلَكِنْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ لَمَّا ازْدَهَرَتِ الْمُقَاوَمَةُ وَذَاعَ صِيتُهَا اسْتَطَاعَ إِخْوَانُنَا أَنْ يَحْصُلُوا عَلَيْهَا مِنْ مِصْرَ خُصُوصاً. سُؤَالٌ: مِمَّا يُذْكَرُ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ سَفِينَةً مِصْرِيَّةً وَصَلَتْ إِلَى أَحَدِ الشَّوَاطِئِ الْمَغْرِبِيَّةِ مُحَمَّلَةً بِالْأَسْلِحَةِ، فَهَلْ لَا زِلْتَ تَذْكُرُ شَيْئاً عَنْهَا ؟ جَوَابٌ: كَيْفَ لَا أَذْكُرُهَا وَهِيَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي سَاعَدَتْ عَلَى تَنْشِيطِ الْجَمَاعَاتِ الْفِدَائِيَّةِ وَقِيَامِهَا بِعَمَلِيَّاتٍ فِدَائِيَّةٍ هَزَّتْ أَرْكَانَ الْوُجُودِ الْإِسْتِعْمَارِيِّ بِبِلَادِنَا. سُؤَالٌ: كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ جَوَابٌ: لَيْسَ لَدَيَّ مَعْلُومَاتٌ عَنْ تَفَاصِيلِهَا، وَكُلُّ مَا أَذْكُرُهُ هُوَ أَنَّ سَفِينَةً مِصْرِيَّةً رَسَتْ بِشَاطِئِ "قَابُو دِي هَاوَا" (رَأْسِ كَبْدَانَةَ)، وَأَكْتَفِي بِذِكْرِ الْمُهِمِّ مِنْهَا، وَهُوَ أَنَّ الْحُكُومَةَ الْمِصْرِيَّةَ أَرْسَلَتْ سَفِينَةً مُحَمَّلَةً بِالْأَسْلِحَةِ مُوَجَّهَةً لِلْمُقَاوَمَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ وَكَانَ مُقَرَّراً إِرْسَالُ جُزْءٍ مِنْهَا إِلَى بَلْدَةِ فِجِيج، وَقَدْ كُلِّفَ بِهَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ إِخْوَانُنَا الَّذِينَ كَانُوا لَاجِئِينَ بِالنَّاظُور، وَمِنْهُم امْبَارَك الْكَبْدَانِي وَعَبْدُ الْقَادِرِ زَايِد، وَرِزْقِي سَالِم، وَخَمْلِيش حَجَّاج، وَمُحَمَّدٌ وَلَدُ الشَّرِيفِ، وَمُصْطَفَى بَرَمَضَان، وَالْمِيلُود الْهَمَّالِي، وَالْبَشِير الْهَمَّالِي، وَمُحَمَّدٌ شَعُوت، وَالسَّالِمِي بُوحَفْص، وَآخَرُونَ لَا أَتَذَكَّرُ أَسْمَاءَهُمْ كَانَ عَدَدُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفَراً، أَمَّا الْأَسْلِحَةُ فَكَانَتْ مُتَنَوِّعَةً مِنَ الْخُمَاسِيَّاتِ إِلَى الرَّشَّاشَاتِ إِلَى الرُّبَاعِيَّاتِ وَكَمِّيَّةً كَبِيرَةً مِنَ الرَّصَاصِ. مَرَّتْ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ بِمَرْكَزِ أَرْسَلَان وَبِهِ بَاتَتْ وَظَلَّتْ، وَفِي الْمَسَاءِ طُلِبَ مِنِّي إِرْشَادُهُمْ إِلَى مَرْكَزٍ يُوجَدُ بِالْبَصَّارَةِ، وَهُوَ مَرْكَزٌ كَانَ حَمَّاد بُولْنْوَار قَدْ أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ، وَكَانَ ضِمْنَ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ مَلَّال الْقَاضِي، أَمَّا الْمَرْكَزُ فَصَاحِبُهُ هُوَ "أَحْمَدُ وَلَدُ مُحَمَّدٍ أَوْ عَلِيٍّ" وَفِعْلاً تَوَجَّهْتُ بِهِمْ إِلَى الْمَرْكَزِ وَلَمْ نَصِلْ إِلَّا بَعْدَ مَشَقَّةٍ وَعَنَاءٍ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ تَجْرِبَةٌ فِي سُلُوكِ مِثْلِ هَذِهِ الطُّرُقِ الْوَعِرَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ أَكْيَاساً ثَقِيلَةً مِنَ السِّلاَحِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمِمَّا زَادَ فِي اسْتِفْحَالِ وَضْعِنَا هُوَ صُعُوبَةُ نَقْلِهِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة وَبِالضَّبْطِ إِلَى مَنْزِلِ الْمَهْدِي دَرْوِيش حَيْثُ كَانَتْ تُوجَدُ امْرَأَةٌ تُسَمَّى رَحْمَةَ الدَّاوُدِي الَّتِي اسْتُشْهِدَ وَلَدُهَا بِفَاس وَهُوَ مُحَمَّدٌ الدَّاوُدِي وَأَحَدُ أَبْنَائِهَا أَيْضاً فِي السِّجْنِ بِوَجْدَة، وَصِهْرُهَا الْمَهْدِي دَرْوِيش لَاجِئاً فِي النَّاظُور وَكَانَتْ مَعَهَا إِحْدَى بَنَاتِهَا وَهِيَ زَوْجَةُ الْمَهْدِي دَرْوِيش، وَكَانَتْ رَحْمَةُ الدَّاوُدِي مَعَنَا فِي التَّنْظِيمِ، وَتَرَكْتُ مَلَّالاً فِي هَذَا الْمَنْزِلِ وَعُدْتُ إِلَى الْمَرْكَزِ لِأُوَافِيَ الْإِخْوَانَ الَّذِينَ انْفَصَلْتُ عَنْهُمْ بِسَبَبِ نَقْلِي الْمَرِيضَ إِلَى وَجْدَة. وَلَمَّا وَصَلْتُ طَلَبَ مِنِّي إِدْرِيس بْنِعَبُّو تَوْفِيرَ أَكْيَاسٍ لِتَعْبِئَةِ السِّلاَحِ فِيهَا لِنَقْلِهَا إِلَى وَجْدَة، وَكَانَ عَلَيَّ أَنْ أَعُودَ إِلَى وَجْدَة، لِأَتَّصِلَ بِالْقَنْدُوسِي وَهُوَ أَحَدُ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ وَبِأَحْمَدَ الْعِمْرَانِي "الْجَبَلِي" وَكَانَ خَيَّاطاً. وَسَلَّمْتُهَا لِبْنِعَبُّو إِدْرِيس بَعْدَ أَنْ عُبِّئَتِ الْأَكْيَاسُ بِالسِّلاَحِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى وَجْدَة بِوَاسِطَةِ شَاحِنَةٍ، وَخَبَّأْنَاهَا فِي فُنْدُقِ أَحَدِ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ وَهُوَ بْنِعَبُّو حَمَّادَة، عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى نَقْلَهَا إِلَى فِجِيج كُلٌّ مِنْ حِيدَة أَحْمَد، وَفَوْقَلَة الطَّيِّب، وَبَعْدَ انْتِظَارٍ طَوِيلٍ تَبَيَّنَ مِنْ خِلَالِ كَثْرَةِ الِاتِّصَالَاتِ بِهِمَا أَنَّهُمَا مُسْتَعِدَّانِ لِلْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، وَتُقَدَّرُ مُهْلَةُ الِاتِّظَارِ بِشَهْرَيْنِ تَقْرِيباً. وَأَمَامَ هَذَا التَّمَاطُلِ اتَّصَلَ بِي بْنِعَبُّو إِدْرِيس وَأَخْبَرَنِي أَنَّ السِّلاَحَ إِذَا لَمْ يُنْقَلْ مِنْ مَكَانِهِ سَوْفَ يُشَكِّـلُ بَقَاؤُهُ خَطَراً عَلَيْنَا، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْخَاصِ وَضِمْنَهُمُ امْرَأَةٌ بَاغِيَةٌ يَتَرَدَّدُونَ عَلَى الْمَكَانِ وَيُخْشَى أَنْ يَنْتُجَ عَنْ ذَلِكَ اكْتِشَافُ أَمْرِ السِّلاَحِ، وَقَرَّرْنَا إِحَالَةَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى إِخْوَانِنَا بِالنَّاظُور الَّذِينَ أَوْفَدُوا جَمَاعَةً عَلَى رَأْسِهِمُ امْبَارَك الْكَبْدَانِي لِتَقْرِيرِ مَا يَنَبَغِي عَمَلُهُ، وَبَعْدَ دِرَاسَةِ الْمَسْأَلَةِ تَقَرَّرَ إِعَادَةُ السِّلاَحِ إِلَى مَرْكَزِ "أَرْسَلَان" ثُمَّ تَكَفَّلْتُ بِالْبَحْثِ عَمَّنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ، فَاتَّصَلْتُ بِأَحَدِ أَفْرَادِ التَّنْظِيمِ وَهُوَ لَخْضَر مُؤْمِن الَّذِي كَانَ يَمْلِكُ سَيَّارَةً قَادِرَةً عَلَى نَقْلِ هَذَا السِّلاَحِ، وَقَدِ اتَّخَذْنَا كُلَّ التَّدَابِيرِ لِتَأْمِينِ نَقْلِهِ إِلَى الْمَرْكَزِ دُونَ تَعَرُّضِنَا لِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي شَيْءٍ، وَمِنْ بَيْنِ الْإِحْتِيَاطَاتِ الَّتِي اتَّخَذْنَاهَا أَنْ تَتَقَدَّمَ السَّيَّارَةَ الْمُحَمَّلَةَ بِالسِّلاَحِ سَيَّارَةٌ أُخْرَى لِتَمْهِيدِ الطَّرِيقِ وَإِحْدَاثِ إِشَارَاتٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا إِذَا مَا طَرَأَ فِي الطَّرِيقِ مَا تُخْشَى عَوَاقِبُهُ، وَقَدْ تَمَّتِ الْعَمَلِيَّةُ بِسَلَامٍ حَيْثُ أَعَدْنَا السِّلاَحَ إِلَى مَرْكَزِ "أَرْسَلَان" حَيْثُ كَانَ فِي انْتِظَارِنَا لَمْجُون عَبْدُ الْقَادِرِ. سُؤَالٌ: مِمَّا يُنْسَبُ إِلَيْكَ أَنَّكَ قُمْتَ بِتَأْسِيسِ جَمَاعَةٍ فِدَائِيَّةٍ، كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ جَوَابٌ: فِعْلاً بَعْدَ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةِ قُمْتُ بِتَكْوِينِ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ وَمِنْ أَعْضَائِهَا النَّكَّاوِي مُحَمَّد الَّذِي كَانَ يَمْلِكُ دُكَّاناً قُرْبَ سِينَمَا النَّصْرِ حَالِيّاً، وَيَقُومُ فِيهِ بِإِصْلَاحِ إِطَارَاتِ عَجَلَاتِ السَّيَّارَاتِ وَمِنْ أَخِيهِ "النَّكَّاوِي أَحْمَد" وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَدِ الشَّرِيفِ، وَبْنِزَرْقَة إِدْرِيس، وَزَوَّاد عَبْدِ الْقَادِرِ، وَمِنَ الْعَمَلِيَّاتِ الَّتِي نَفَّذَتْهَا هَذِهِ الْمَجْمُوعَةُ إِلْقَاءُ قُنْبُلَةٍ عَلَى شَاحِنَةٍ كَانَ عَلَى مَتْنِهَا اللَّفِيفُ الْأَجْنَبِيُّ، وَقَدْ أَلْحَقَتْ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةُ خَسَائِرَ مِنْهَا ارْتِطَامُ الشَّاحِنَةِ بِجِدَارٍ تَسَبَّبَ فِي تَعْطِيلِهَا، وَمَقْتَلُ عَدَدٍ مِمَّنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْجُنُودِ، وَقَدْ نُفِّذَتْ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةُ بِحُضُورِي، كَمَا قَتَلُوا جُنْدِيّاً فَرَنْسِيّاً قُرْبَ الثَّكْنَةِ الَّتِي كَانَتْ قُرْبَ مُصَلَّى الْمَدِينَةِ، وَحَاوَلُوا قَتْلَ أَحَدِ الشُّيُوخِ وَلَكِنَّهُ نَجَا حَيْثُ لَمْ يُصَبْ إِلَّا بِجُرُوحٍ طَفِيفَةٍ، كَمَا قَامُوا بِأَعْمَالٍ أُخْرَى مِثْلَ بَعْثِ رَسَائِلِ تَهْدِيدٍ، وَتَوْزِيعِ الْمَنَاشِيرِ هَذَا مَا قَامَتْ بِهِ الْمَجْمُوعَةُ الَّتِي أَسَّسْتُهَا. سُؤَالٌ: وَمَاذَا عَنِ الْمَجْمُوعَاتِ الْأُخْرَى ؟ جَوَابٌ: أَيَّ مَجْمُوعَاتٍ تَعْنِي ؟ سُؤَالٌ: الْمَجْمُوعَاتِ الَّتِي حَدَّثْتَنِي عَنْهَا سَابِقاً. جَوَابٌ: مِمَّا أَتَذَكَّرُهُ، أَنَّ الْإِخْوَانَ جَاءُوا مِنَ النَّاظُور، وَمَعَهُمْ مَنَاشِيرُ طَلَبُوا مِنِّي تَوْزِيعَهَا فِي وَجْدَة وَهَذَا مَا فَعَلْتُ، فَقَدْ تَوَجَّهْتُ بِهَا إِلَى وَجْدَة وَسَلَّمْتُهَا إِلَى الْمَجْمُوعَاتِ الْفِدَائِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مُتَوَاجِدَةً فِيهَا، وَمِنْهَا مَجْمُوعَةُ أَحْمَدَ الْعِمْرَانِي "الْجَبَلِي" وَمَجْمُوعَةُ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي، وَكُنْتُ سَأَبْعَثُ بِكَمِّيَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَاشِيرِ إِلَى أَحَدِ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ الَّذِي كَانَ مُقِيماً فِي فِجِيج، وَلَكِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّهُ مُعْتَقَلٌ (...). سُؤَالٌ: مَاذَا عَنِ الْأَسْلِحَةِ الَّتِي أَمَدَّكُمْ بِهَا أَحَدُ الضُّبَّاطِ ؟ جَوَابٌ: ذَاتَ يَوْمٍ زَارَتْنِي مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْإِخْوَانِ وَضِمْنُهُمْ زَايِد عَبْدُ الْقَادِرِ، وَفَرْجِي التَّازِي وَمُحَمَّدٌ وَلَدُ الشَّرِيفِ، وَرِزْقِي سَالِم، وَكَانَتْ مُهِمَّتُهُمْ مُحَاوَلَةَ تَهْرِيبِ جُنُودٍ أَلْمَانِيِّينَ كَانُوا سُجَنَاءَ لَدَى الْجَيْشِ الْفَرَنْسِيِّ بِوَجْدَة وَعَدَدُهُمْ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ، وَذَلِكَ ضِمْنَ اتِّفَاقٍ وَقَعَ بَيْنَ ضَابِطٍ أَلْمَانِيٍّ مُقِيمٍ بِمَلِيلِيَة وَإِخْوَانِنَا بِالنَّاظُور بِمُقْتَضَاهُ سَلَّمَ هَذَا الضَّابِطُ كَمِّيَّةً مِنَ السِّلاَحِ لِلْمُقَاوِمِينَ الْمَغَارِبَةِ، وَقَدْ كُلِّفَتْ مَجْمُوعَةُ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي لِلْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ. وَبَعْدَ الْبَحْثِ تَبَيَّنَ أَنَّ جُلَّ الْأَسْرَى الْأَلْمَانِيِّينَ قَدْ تَمَّ نَقْلُهُمْ إِلَى تِلِمْسَان، وَلَمْ تَتَمَكَّنِ الْمَجْمُوعَةُ إِلَّا مِنْ تَهْرِيبِ ثَلَاثَةٍ كَانُوا لَا يَزَالُونَ مُحْتَجَزِينَ فِي الثَّكْنَةِ بِوَجْدَة، وَقَدْ تَمَّ نَقْلُهُمْ إِلَى النَّاظُور عَلَى شَاحِنَةٍ كَانَتْ فِي مِلْكِ أَحَدِ أَعْضَاءِ الْمَجْمُوعَةِ وَهُوَ مَعْمَر زُهَيْر بُولْنْوَار... وَتَقَرَّرَ الذَّهَابُ بِهِمْ إِلَى مَرْكَزِ أَرْسَلَان كَخَطْوَةٍ أُولَى لِلتَّوَجُّهِ بِهِمْ إِلَى النَّاظُور، وَكَانَ بِرِفْقَةِ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ احْمِيدَة الْمَلْحَاوِي الَّذِي كَانَ قَاصِداً النَّاظُور لِمُهِمَّةٍ تَخُصُّ مَجْمُوعَتَهُ وَلَبِثَ هَؤُلَاءِ الْجُنُودُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ نَقْلُهُمْ إِلَى النَّاظُور وَذَلِكَ تَبَعاً لِلْإِشَارَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِينَا مِنَ الْمَرَاكِزِ الْأُخْرَى الْمُنْبَثَّةِ فِي الطَّرِيقِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الشَّمَالِ، ثُمَّ سُلِّمَ الْجُنُودُ لِلضَّابِطِ الْأَلْمَانِيِّ مُقَابِلَ كَمِّيَّةٍ مِنَ الْأَسْلِحَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ. مِمَّا أَتَذَكَّرُهُ أَيْضاً أَنَّ مَجْمُوعَةً مِنْ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ قَدِمُوا إِلَى مَرْكَزِ أَرْسَلَان وَمِنْهُم امْبَارَك الْكَبْدَانِي، وَشَعُوت مُحَمَّد، وَالْمِيلُود الْهَمَّالِي وَمُحَمَّدٌ وَلَدُ الشَّرِيفِ وَالْمَهْدِي دَرْوِيش وَخَمْلِيش الْحَجَّاج وَطَلَبُوا مِنِّي إِدْخَالَهُمْ إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة، أَمَّا امْبَارَك وَشَعُوت فَقَدْ تَوَجَّهَا إِلَى نَاحِيَةِ الْعُيُونِ، وَبِالضَّبْطِ إِلَى مَكَانٍ يُعْرَفُ بِـ "ثَنِيَّةِ الشَّوَّالَةِ" وَذَلِكَ لِلْبَحْثِ عَنْ عَنَاصِرَ يُكَوِّنُونَ مِنْهَا خَلِيَّةً لِجَيْشِ التَّحْرِيرِ، وَمِنْهُمْ مَيْمُون الدَّاوُدِي وَهُوَ مِنْ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ السَّابِقِينَ، كَانَ هَذَا فِي شَهْرِ نُوفَمْبِر 1955، فِي حِينِ تَوَجَّهْتُ أَنَا إِلَى مَدِينَةِ وَجْدَة لِلْإِتْيَانِ بِسَيَّارَةِ لَخْضَر وَلَدِ مُؤْمِن الَّتِي نَقَلْنَا الْإِخْوَانَ فِيهَا، وَلَمَّا دَخَلْنَاهَا قَصَدْنَا مَرْكَزاً جَدِيداً كَانَ يُوجَدُ بِحَيِّ "أَحْرَاش" أَحَدِ أَحْيَاءِ الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ، وَهُوَ مَرْكَزٌ كَانَ الْمُنَوَّرُ الْكِشَاطِي قَدْ أَعَدَّهُ كَمَقَرٍّ لِلْمُقَاوَمَةِ، وَكَانَتِ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي عَرَفْنَا فِيهَا هَذَا الْمَرْكَزَ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَذَاكَرْنَا فِي أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِ الْمُقَاوَمَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ ذَهَبْنَا لِتَنَاوُلِ طَعَامِ الْعَشَاءِ عِنْدَ إِبْرَاهِيم السُّوسِي الَّذِي كَانَ يَسْكُنُ فِي طَرِيقِ "طَايِرَات" وَيَعْمَلُ فِي مَنْجَمٍ يُسَمَّى غَارَ الْبَارُودِ قُرْبَ وَادِي إِيسْلِي، وَكَانَ لَا يَعُودُ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا لَيْلاً. وَبَعْدَ تَنَاوُلِ طَعَامِ الْعَشَاءِ افْتَرَقْنَا حَيْثُ ذَهَبَ الْمَهْدِي دَرْوِيش وَوَلَدُ الشَّرِيفِ إِلَى مَنْزِلَيْهِمَا، أَمَّا أَنَا وَالْحَجَّاجُ وَالْمِيلُودُ فَقَدْ بِتْنَا فِي الْمَرْكَزِ، وَفِي الصَّبَاحِ تَنَاوَلْنَا الْفَطُورَ الَّذِي أَعَدَّهُ لَنَا الْمُنَوَّرُ الْكِشَاطِي، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ لِلْقِيَامِ بِعَمَلِيَّةٍ، وَطَلَبْنَا مِنْهُ الِانْتِظَارَ حَتَّى يَأْتِيَ الرِّفَاقُ لِنَتَعَاوَنَ مَعَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، وَلَكِنَّهُ أَصَرَّ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا عَاجِلاً، وَمَا كَانَ لَنَا إِلَّا الِانْصِيَاعُ لِرَغْبَتِهِ، فَخَرَجْنَا مِنَ الْمَرْكَزِ هُوَ وَأَنَا وَالْمُنَوَّرُ وَالْمِيلُود الْهَمَّالِي وَتَوَجَّهَ بِنَا الْمُنَوَّرُ إِلَى "قَيْسَارِيَّةِ عَطِيَّة" الَّتِي كَانَتْ تُوجَدُ فِي حَيِّ دَرْبِ الْعَرَبِي قُرْبَ الْمَكَانِ الَّذِي بُنِيَتْ فِيهِ سِينَمَا النَّصْرِ. حَيْثُ كَانَ أَحَدُ الْقُوَّادِ يَعْقِدُ لِقَاءَاتٍ مَعَ أَفْرَادِ قَبِيلَتِهِ وَهِيَ قَبِيلَةُ الْمَهَايَا لِتَلَقِّي شَكَايَاتِهِمْ، وَكَانَ الْهَدَفُ مِنْ تَوَجُّهِنا إِلَى هَذِهِ الْقَيْسَارِيَّةِ هُوَ قَتْلَ هَذَا الْقَائِدِ، وَلَكِنْ نَظَراً لِكَثْرَةِ النَّاسِ الَّذِينَ كَانُوا بِحَضْرَتِهِ لَمْ نَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ عَلَيْنَا الْعَوْدَةُ إِلَى الْمَرْكَزِ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي كُنَّا خَارِجِينَ مِنَ الْقَيْسَارِيَّةِ، فُوجِئْنَا بِتَاجِرٍ يُنَادِي بِاسْمِ الْمِيلُود، وَمَا كَانَ مِنَ الْحَجَّاجِ إِلَّا أَنْ هَدَّدَهُ بِالْمَسَدَّسِ فَسَقَطَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، وَمَخَافَةً مِنْ افْتِضَاحِ أَمْرِ الْمِيلُود الَّذِي كَانَ مَطْلُوباً مِنَ الْبُولِيسِ، عُدْتُ بِهِ إِلَى الْمَرْكَزِ بَعْدَ أَنْ تَسَلَّمَ الْحَجَّاجُ مِنْهُ الْمَسَدَّسَ الَّذِي كَانَ فِي حَوْزَتِهِ، فَأَصْبَحَ الْحَجَّاجُ يَتَوَفَّرُ عَلَى مَسَدَّسَيْنِ، وَكُنْتُ قَدْ طَلَبْتُ مِنْهُ انْتِظَارِي فِي مَكَانٍ قُرْبَ الْقَيْسَارِيَّةِ، وَلَكِنْ لَمَّا أَوْصَلْتُ الْمِيلُودَ إِلَى الْمَرْكَزِ وَعُدْتُ، لَمْ أَجِدِ الْحَجَّاجَ وَالْمُنَوَّرَ فِي الْمَكَانِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ. وَأَثْنَاءَ بَحْثِي عَنْهُمَا رَأَيْتُ سَيَّارَةً لِلشُّرْطَةِ تَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ رَغْمَ وُجُودِ لَافِتَةٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُرُورَ بِهَا مَمْنُوعٌ عَلَى السَّيَّارَاتِ، كَمَا لَاحَظْتُ هَرْجاً وَمَرْجاً قُرْبَ سَاحَةِ الْمَغْرِبِ، وَسَمِعْتُ أَحَدَ الْأَشْخَاصِ يَقُولُ أَنَّ فِدَائِيّاً قَدْ قَتَلَ أَحَدَ الشُّيُوخِ فِي زُنْقَةِ الصَّابُونِي، وَمِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي اسْتَقَيْتُهَا أَنَّ هَذَا الْفِدَائِيَّ عَرَّجَ عَلَى طَرِيقِ مَرَّاكُشَ وَحَاوَلَ قَتْلَ أَحَدِ التُّجَّارِ، وَلَكِنَّ الرَّصَاصَةَ أَصَابَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَنَجَا مِنَ الْمَوْتِ، وَبَعْدَ الْعَمَلِيَّةِ لَاذَ الْحَجَّاجُ وَالْمُنَوَّرُ بِالْفِرَارِ، وَقَدْ نَجَمَ عَنِ اكْتِظَاظِ الشَّارِعِ بِالنَّاسِ افْتِرَاقُهُمَا، وَكَانَ لِهَذَا الِافْتِرَاقِ إِنْعِكَاسٌ عَلَى الْحَجَّاجِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ طُرُقَ الْمَدِينَةِ فَضَلَّ السَّبِيلَ، وَبَيْنَمَا هُوَ فِي أَحَدِ الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ فُوجِئَ بِالشُّرْطَةِ تُحَاصِرُهُ بَعْدَ أَنْ دَلَّهُمْ عَلَيْهِ ابْنُ الضَّحِيَّةِ، وَبَعْدَ اعْتِقَالِهِ سِيقَ إِلَى مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ. وَلَمَّا عَلِمْتُ بِاعْتِقَالِهِ عُدْتُ إِلَى الْمَرْكَزِ الَّذِي بِتْنَا فِيهِ وَنَقَلْتُ الْمِيلُودَ الْهَمَّالِي إِلَى مَرْكَزِ مَيْمُون الدَّاوُدِي غَيْرِ الَّذِي كَانَتْ تُوجَدُ بِهِ مَجْمُوعَةُ فَاس، وَمِنْهُمْ عَبْدُ النَّبِيِّ بْنَّانِي وَأَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَبْنَزَاكُور، وَآخَرُ لَا أَتَذَكَّرُ اسْمَهُ. عُدْنَا إِلَى الْمَرْكَزِ حَيْثُ كَانَتْ تُوجَدُ بَعْضُ الْمُعَدَّاتِ كَالدِّينَامِيتِ وَالْبَارُودِ، وَبَعْدَ أَنْ جَمَعْتُهَا فِي صُنْدُوقٍ ذَهَبْتُ بِهَا إِلَى دُكَّانِ أَحَدِ التُّجَّارِ كَانَ الْمُنَوَّرُ الْكِشَاطِي قَدْ دَلَّنِي عَلَيْهِ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَهْنُ إِشَارَةِ التَّنْظِيمِ كُلَّمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَفِعْلاً تَسَلَّمَ الصُّنْدُوقَ دُونَ خَوْفٍ أَوْ تَرَدُّدٍ. وَبَعْدَ ذَلِكَ سَمِعْتُ أَنَّ الشُّرْطَةَ أَلْقَتِ الْقَبْضَ عَلَى حَمَّاد بُولْنْوَار، وَاحْمِيدَة الْمَلْحَاوِي وَالْوَرْطَاسِي الْحَاجّ، وَفِي الْحِينِ هَرَعْتُ إِلَى الْمَرْكَزِ حَيْثُ كَانَ يُقِيمُ الْإِخْوَانُ الْوَافِدُونَ عَلَيْنَا مِنْ فَاس لِأَطْلُبَ مِنْهُمْ مُغَادَرَتَهُ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضُوا لِلْإِعْتِقَالِ، وَبَقِيتُ فِي حَيْرَةٍ لَا أَدْرِي مَاذَا أَفْعَلُ. وَهُنَا تَذَكَّرْتُ أَحَدَ الْوَطَنِيِّينَ وَهُوَ الْمَالِكِي أَحْمَد أَخُو مَيْمُون الْهَرِّي، وَكُنْتُ أَتَّصِلُ بِهِ وَأَتَحَدَّثُ مَعَهُ فِي شَأْنِ الْمُقَاوَمَةِ دُونَ أَنْ أَكْشِفَ لَهُ عَنْ انْتِمَائِي لِلتَّنْظِيمِ وَكُنْتُ أَسْتَدْرِجُهُ حَتَّى أَتَأَكَّدَ مِنْ اسْتِعْدَادِهِ، وَكَانَتِ الْفُرْصَةُ عِنْدَمَا أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ خَرْبَاش بِأَنَّ أَمْراً مِنْ قِيَادَةِ جَيْشِ التَّحْرِيرِ، يَقْضِي بِتَكْوِينِ مَجْمُوعَاتٍ مِنَ الْمُخْلِصِينَ لِلِانْخِرَاطِ فِي جَيْشِ التَّحْرِيرِ حَيْثُ قَصَدْتُهُ وَكَانَ دُكَّانُهُ فِي قَيْسَارِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّكَّانِ. وَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَخْبَرْتُهُ بِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَلَّ لِتَلْبِيَةِ رَغْبَتِهِ فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الْعَمَلِ الْفِدَائِيِّ فَرَحَّبَ بِالْفِك نظراً لِطُولِ النَّصِّ وَتَجَاوُزِ حَدِّ الكَلِمَاتِ فِي الرَّدِّ السَّابِقِ، إِلَيْكَ الْجُزْءُ الْمُتَبَقِّي كَامِلاً مَعَ التَّشْكِيلِ التَّامِّ وَالْمَضْبُوطِ (مِنَ النُّقْطَةِ الَّتِي تَوَقَّفَ عِنْدَهَا التَّشْكِيلُ): ـرَةِ، وَعَادَ إِلَى الدُّكَّانِ، وَبَعْدَ لَحْظَةٍ خَرَجَ وَمَعَهُ مَيْمُون الْهَرِّي، وَرَافَقْتُهُمَا لِيَدُلَّانِي عَلَى سُكْنَاهُمَا الَّذِي كَانَ مَوْجُوداً فِي طَرِيقِ الرِّيَاضِ فِي أَحَدِ الْبَسَاتِينِ، وَمِنْ ثَمَّ تَوَجَّهْتُ إِلَى طَرِيقِ طَايِرَات الَّذِي كَانَ فِيهِ مَرْكَزُ التَّنْظِيمِ، وَهُوَ فِي مِلْكِ الْمَدْعُو مَيْمُون الْوَدْغِيرِي الَّذِي يَتَجَمَّعُ فِيهِ أَعْضَاءُ التَّنْظِيمِ وَخَاصَّةً الْقَادِمُونَ مِنْ فَاس... وَبَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ إِبْعَادُهُمْ عَنِ الْمَقَرِّ لِكَيْ لَا تَدْهَمَهُ الشُّرْطَةُ فَتَعْتَقِلَ مَنْ فِيهِ، أَخَذْتُ أُخْرِجُهُمْ مِنْهُ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً فَأَتَوَجَّهُ بِهِمْ إِلَى مَنْزِلِ مَيْمُون الْهَرِّي الْمَذْكُورِ، وَمِنْ حُسْنِ الْحَظِّ أَنَّ الشُّرْطَةَ لَمْ تُدَاهِمِ الْمَقَرَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَخْلَيْنَاهُ مِنْ جَمِيعِ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ بِمَنْ فِيهِمْ صَاحِبُ الْمَقَرِّ. بِتْنَا لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُون الْهَرِّي وَأَخِيهِ أَحْمَدَ وَظَلَلْنَا فِيهِ إِلَى الْمَسَاءِ حَتَّى تَمَكَّنَّا مِنْ تَوْفِيرِ شَاحِنَتَيْنِ لِنَقْلِ الْإِخْوَانِ إِلَى مَرْكَزِ أَرْسَلَان، وَقَدْ طَلَبْتُ تَعْيِينَ مَكَانِ انْتِظَارِ الشَّاحِنَتَيْنِ وَنَقْلَ الْمُرَادِ تَهْرِيبُهُمْ إِلَيْهِ سَيْراً عَلَى الْأَقْدَامِ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً غَيْرَ بَعِيدِينَ عَنْ بَعْضِهِمُ الْبَعْضِ، حَتَّى لَا يَضِلُّوا الطَّرِيقَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا غُرَبَاءَ عَنِ الْمَدِينَةِ لَا يَعْرِفُونَ مَسَالِكَهَا، وَلَا الْمَكَانَ الَّذِي سَيَنْتَقِلُونَ مِنْهُ بِالشَّاحِنَتَيْنِ. رَكِبْنَا الشَّاحِنَتَيْنِ حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ مَخْرَجِ الْمَدِينَةِ، وَلَمَّا لَاحَظْنَا أَنَّ الشُّرْطَةَ قَدْ أَقَامَتْ حَوَاجِزَ فِي هَذَا الْمَخْرَجِ، وَتَقُومُ بِعَمَلِيَّةِ تَفْتِيشِ الْخَارِجِينَ مِنْهَا وَالدَّاخِلِينَ، قَرَّرْنَا النُّزُولَ مِنَ الشَّاحِنَتَيْنِ وَعُبُورَ وَادِي النَّاشِفِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَعَلَى أَسَاسِ أَنْ تَخْرُجَ الشَّاحِنَتَانِ وَتَنْتَظِرَانِنَا فِي مَكَانٍ تَمَّ الْإِتِّفَاقُ عَلَيْهِ وَكَانَ الْوَقْتُ لَيْلاً. وَهَكَذَا تَمَكَّنَّا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى قَرْيَةِ النَّعِيمَةِ، وَمِنْهَا إِلَى مَرْكَزِ أَرْسَلَان حَيْثُ قُمْنَا بِتَوْزِيعِ الْأَعْضَاءِ عَلَى مَرَاكِزَ أُخْرَى فِي نَفْسِ الْمِنْطَقَةِ وَكَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ نَفَراً. حَيْثُ خَصَّصْنَا لَهُمْ دَارَ لَمْجُون عَبْدِ الْقَادِرِ بِوَادِي بَصْرِي، خَصَّصْنَا لَهُمْ مَرْكَزاً جَدِيداً تَمَكَّنَّا مِنْ إِعْدَادِهِ فِي حِينِهِ. ثُمَّ تَوَجَّهْنَا إِلَى مَرْكَزٍ آخَرَ يُوجَدُ بِمَكَانٍ لِصَاحِبِهِ مُؤْمِن سَالِم أَعْرَاب، وَبِهِ قَضَيْنَا لَيْلَتَنَا. وَفِي الصَّبَاحِ جَاءَ مَنْ يُخْبِرُنِي أَنَّ سَيَّارَةً لِلشُّرْطَةِ وَشَاحِنَةً لِلْجُنُودِ تُوجَدَانِ قُرْبَ مَنْزِلِنَا الَّذِي كَانَ يَبْعُدُ عَنِ الْمَنْزِلِ الَّذِي أُوجَدُ فِيهِ بِثَلَاثَةِ كِيلُومِتْرَاتٍ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي فِيمَا بَعْدُ أَنَّ حَمَّاد زُهَيْر هُوَ الَّذِي اعْتَرَفَ بِأَنَّنَا نَتَّخِذُ مِنْ هَذَا الْمَنْزِلِ مَقَرّاً نَضَعُ فِيهِ مُعَدَّاتِنَا وَنَسْتَقْبِلُ فِيهِ الْمُقَاوِمِينَ الْهَارِبِينَ مِنْ مُخْتَلَفِ مَنَاطِقِ الْبِلَادِ، وَشَاهَدْنَا مِنْ بَعِيدٍ كَيْفَ اقْتَحَمَتِ الشُّرْطَةُ وَالْجُنُودُ الْمَنْزِلَ وَفَتَّشُوهُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَخَذُوا مَعَهُمْ أَخِي الصَّغِيرَ إِلَى مَرْكَزِ الْأَمْنِ. وَفِي الْمَسَاءِ الْتَقَيْنَا بِامْبَارَك الْكَبْدَانِي فِي مَسْجِدٍ يُوجَدُ فِي "خَرْخَاشَات" أَسْفَلَ الْجَبَلِ، وَمِنْ ثَمَّ تَوَجَّهْنَا إِلَى أَرْسَلَان الْعُلْيَا، حَيْثُ الْتَقَيْنَا بِعَبْدِ الْقَادِرِ زَايِد، وَرِزْقِي سَالِم وَمُصْطَفَى ابْنِ رَمَضَان الَّذِينَ قَدِمُوا مِنَ النَّاظُور، لِيَطَّلِعُوا عَلَى مَا جَرَى لِأَعْضَاءِ تَنْظِيمِنَا، وَقَدْ أَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ قَطَعُوا الْمَسَافَةَ بَيْنَ النَّاظُور وَالْمَرْكَزِ مَشْياً عَلَى الْأَقْدَامِ، وَتَوَزَّعْنَا عَلَى بَعْضِ الْمَنَازِلِ حَتَّى لَا نُثِيرَ انْتِبَاهَ أَحَدٍ.... وَفِي الْمَسَاءِ انْتَقَلْنَا إِلَى مَرْكَزٍ آخَرَ يُوجَدُ فِي قَرْيَةِ "فَاسِير" وَكَانَ يَبْعُدُ عَنِ الْمَرْكَزِ الَّذِي غَادَرْنَاهُ بِعَشَرَةِ كِيلُومِتْرَاتٍ تَقْرِيباً، وَضَلَلْنَا فِيهِ حَتَّى الْمَسَاءِ فَغَادَرْنَاهُ مُتَوَجِّهِينَ صَوْبَ نَهْرِ مَلْوِيَة الَّذِي عَبَرْنَاهُ وَعَلَى ظُهُورِنَا الْإِخْوَانُ "الْفَاسِيُّونَ" لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْلَفُوا عُبُورَ الْأَنْهَارِ وَلَا تَحَمُّلَ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ. وَلَبِثْنَا فِي النَّاظُور كَلَاجِئِينَ إِلَى أَنْ شَرَعَ اللَّاجِئُونَ يَعُودُونَ إِلَى مُدُنِهِمْ فِي الْمِنْطَقَةِ السُّلْطَانِيَّةِ كَوَجْدَة وَفَاس، أَمَّا أَنَا فَقَعَدْتُ بِرِفْقَةِ أَحَدِ اللَّاجِئِينَ وَيُسَمَّى ابْنَ زَرْقَة الْهَبْرِي وَفِي حَوْزَتِنَا عِدَّةُ رَشَّاشَاتٍ وَكَمِّيَّةٌ مِنَ الرَّصَاصِ وَقَدْ قَطَعْنَا الْمَسَافَةَ بَيْنَ النَّاظُور وَقَرْيَتِنَا مَشْياً عَلَى الْأَقْدَامِ. وَبَعْدَ أَيَّامٍ تَوَجَّهْتُ إِلَى وَجْدَة وَفِيهَا اتَّصَلَ بِي شَخْصٌ كَانَ مِنْ رِجَالِ الْقُوَّاتِ الْمُسَاعِدَةِ وَيُسَمَّى الشَّاوُش لَحْسَن. وَمِمَّا أُسَجِّلُهُ لِهَذَا الشَّخْصِ أَنَّ حَاكِمَ تَافُوغَالْت كَلَّفَهُ بِمُوَاجَهَةِ مُتَظَاهِرِي 17 غُشْت 1953 الَّتِي سَبَقَ أَنْ أَشَرْتُ إِلَيْهَا، فَرَفَضَ قَائِلاً: "لَا يُمْكِنُنِي لِأَنَّ سُكَّانَ مِنْطَقَةِ بَنِي يزْنَاسَن كُلَّهُمْ وَطَنِيُّونَ وَيَطَالِبُونَ بِاسْتِقْلَالِ بِلَادِهِمْ" فَتَمَّ سَجْنُهُ، وَبِمَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَازَ عَلَى "وِسَامٍ عَسْكَرِيٍّ" لِمُشَارَكَتِهِ فِي حَرْبِ الْفِيِتْنَام، فَإِنَّهُ لَمْ يَمْكُثْ فِي الْحَبْسِ إِلَّا شَهْراً ثُمَّ أُطْلِقَ سَرَاحُهُ، وَلَكِنَّهُ فُصِلَ عَنْ عَمَلِهِ، وَبَقِيَ إِلَى أَنْ اسْتَعَادَ الْمَغْرِبُ اسْتِقْلَالَهُ. وَلَمَّا اتَّصَلَ بِي أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ كَوَّنَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُتَطَوِّعِينَ وَيَتَوَفَّرُونَ عَلَى كَمِّيَّةٍ مِنَ الْأَسْلِحَةِ لَا بَأْسَ بِهَا، وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلِانْخِرَاطِ فِي جَيْشِ التَّحْرِيرِ، فَلَمْ أَتَرَدَّدْ فِي قَبُولِ طَلَبِهِ لِأَنَّنِي كُنْتُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ إِخْلَاصِهِ، وَبَعْدَ اسْتِشَارَةِ الْحَاجِّ بُوبُو وَمُوَافَقَتِهِ جِئْتُ بِهِ إِلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَهُ وَتَوَجَّهْتُ وَإِيَّاهُ وَمَعَنَا أَحَدُ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ وَهُوَ مِنْ فِجِيج وَيُسَمَّى مُحَمَّد اعْمَارَة الَّذِي كَانَ يُعْرَفُ بِاسْمِ "سَاعَةَ" وَمِمَّا أَتَذَكَّرُهُ فِي الْمَوْضُوعِ أَنَّنَا سَافَرْنَا إِلَى فَاس وَمِنْهَا إِلَى صَفْرُو وَمِيسُور ثُمَّ إِلَى تَالْسِينْت. وَقَدْ وَجَدْنَا صُعُوبَةً بَالِغَةً فِي شَقِّ الطَّرِيقِ لِلْحَافِلَةِ لِتَرَاكُمِ الثُّلُوجِ فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ، وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى تَالْسِينْت وَكَانَتْ عِبَارَةً عَنْ مَبَانٍ مِنَ الطِّينِ وَحَوْلَهَا خِيَامٌ مُتَنَاثِرَةٌ يَسْكُنُهَا الْبَدْوُ الرَّحَّلُ، وَكَانَتْ أَوَّلُ مُهِمَّةٍ قُمْنَا بِهَا هِيَ جَمْعَ مَا كَانَ يَتَوَفَّرُ عَلَيْهِ سُكَّانُ هَذِهِ الْخِيَامِ مِنْ أَسْلِحَةٍ، وَتَمَكَّنَّا مِنْ تَكْوِينِ فِرْقَةٍ مُسَلَّحَةٍ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَخْصاً، وَلَمَّا انْتَهَيْنَا مِنْ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ عُدْنَا إِلَى وَجْدَة وَمَعَنَا شَخْصٌ يُسَمَّى "مُحَمَّد أوحَمُّو" وَهُوَ أَحَدُ الْمَغَارِبَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْتَلُّونَ مَرْتَبَةً عَالِيَةً فِي الْجَيْشِ الْفَرَنْسِيِّ، وَاتَّصَلْنَا بِبِلْحَاج بُوبُو وَأَطْلَعْنَاهُ عَلَى مَا قُمْنَا بِهِ فِي تَالْسِينْت.. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ طَلَبَ مِنَّا إِحْضَارَ الْأَسْلِحَةِ الَّتِي كَانَتْ بِحَوْزَتِنَا وَالَّتِي أَوْدَعْنَاهَا فِي مَرْكَزِ "أَرْسَلَان" وَأَخْبَرْنَاهُ بِأَنَّ كَمِّيَّةً مِنْهَا قَدْ سُلِّمَتْ لِكُلٍّ مِنْ امْبَارَك وَشَعُوت وَزَايِد الَّذِينَ وَزَّعُوهَا عَلَى فِرَقٍ مِنْ جَيْشِ التَّحْرِيرِ الَّتِي كَانَتْ مُنْتَشِرَةً فِي عِدَّةِ مَنَاطِقَ مِنْ شَرْقِ الْمَغْرِبِ مِثْلِ "تَكَافَايْت" وَتِيُولِي، وَبِرْجَنْت (عَيْن بَنِي مُطَهَّر حَالِيّاً) وَفِجِيج، وَكَذَا فِي قَبِيلَةِ إِدْرَاوَش الَّتِي كَانَتْ بِهَا فِرْقَةٌ يَرْأَسُهَا مَيْمُون الدَّاوُدِي، وَمَا بَقِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَسْلِحَةِ وَالْمُعَدَّاتِ وَالْأَلْبِسَةِ قُمْنَا بِشَحْنِهَا فِي سَيَّارَةِ مُحَمَّدِ عَلِي أَوْ مُؤْمِن أَحَدِ أَعْضَاءِ التَّنْظِيمِ بِوَجْدَة وَنَقَلْنَاهَا إِلَى فِجِيج مَصْحُوبِينَ بِأَحَدِ أَبْنَاءِ الْبَلْدَةِ وَهُوَ عُثْمَان أُوقَادِي.. وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتُنَا بِهَذِهِ الْأَسْلِحَةِ وَالْمُعَدَّاتِ دُونَ مَشَاقَّ وَمَتَاعِبَ، فَقَدِ اضْطُرِرْنَا لِقَطْعِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ وَجْدَة وَتَالْسِينْت عَبْرَ هَضَبَاتٍ وَنُجُودٍ وَجِبَالٍ وَمُنْعَرَجَاتٍ وَعَقَبَاتٍ وَأَوْدِيَةٍ وَمَسَالِكَ وَعِرَةٍ. لَاقَيْنَا خِلَالَهَا صُعُوبَاتٍ كَلَّفَتْنَا كَثِيراً مِنَ الْمُعَانَاةِ وَتَطَلَّبَتْ مِنَّا لُزُومَ الْحَيْطَةِ وَالْحَذَرِ مِمَّا يَطْرَأُ مِنَ الْمُفَاجَآتِ لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ كَانَتْ تَحْتَ مُرَاقَبَةِ الْجَيْشِ الْفَرَنْسِيِّ لِوُجُودِهَا قُرْبَ الْحُدُودِ الْجَزَائِرِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ إِذَّاك خَاضِعَةً لِلْإِسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ. وَمِمَّا أَتَذَكَّرُهُ فِي هَذَا الصَّدَدِ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُتَوَجِّهُونَ إِلَى فِجِيج مَرَرْنَا عَلَى جَرَّادَة، قَرْيَة مَعْتَرِكَة، وَمِنْهَا قَصَدْنَا "تَالْسِينْت" وَكَانَ هَدَفُنَا مِنَ التَّعْرِيجِ عَلَيْهَا هُوَ أَنْ نَشْتَرِيَ مَا نَحْتَاجُهُ مِنَ الْمَعْزِ، وَبَعْدَ أَنْ بِتْنَا بِهَا وَظَلَلْنَا النَّهَارَ كُلَّهُ غَادَرْنَاهَا وَبِصُحْبَتِنَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْمُجَنَّدِينَ الَّذِينَ كُنَّا قَدْ أَخْبَرْنَاهُمْ بِالْإِنْضِمَامِ إِلَى جَيْشِ التَّحْرِيرِ الَّذِي كَانَ مُتَوَاجِداً بِالنَّاحِيَةِ وَالتَّمَرْكُزِ بِبَلْدَةِ فِجِيج. وَقَبْلَ مُغَادَرَتِنَا تَالْسِينْت تَمَكَّنَ الشَّاوُش لَحْسَن مِنَ اسْتِقْطَابِ ثَلَاثَةِ عَنَاصِرَ مَغَارِبَةٍ كَانُوا ضِمْنَ الْجُنُودِ الْفَرَنْسِيِّينَ الْمُتَوَاجِدِينَ فِي ثَكْنَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ بِجِوَارِ قَرْيَةِ "تَالْسِينْت" وَقَدِ انْضَمُّوا إِلَيْنَا وَفِي حَوْزَتِهِمْ أَسْلِحَتُهُمْ، وَفِي الطَّرِيقِ لَاحَظَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عَلَى مَتْنِ الشَّاحِنَةِ أَنْوَاراً تَصْدُرُ مِنْ سَيَّارَةٍ كَانَتْ وَرَاءَنَا فَأَشْعَرُونَا بِذَلِكَ وَطَلَبْنَا مِنَ السَّائِقِ أَنْ يَحِيدَ عَنِ الطَّرِيقِ وَيَبْتَعِدَ عَنْهَا، فَفَعَلَ وَأَطْفَأَ أَنْوَارَ الشَّاحِنَةِ حَتَّى يَخْتَفِيَ أَثَرُنَا عَنْهَا، وَهَكَذَا إِلَى أَنِ ابْتَعَدَتْ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَوَجَّهَتْ صَوْبَ "تَالْسِينْت". وَأَمَّا نَحْنُ فَقَدْ عُدْنَا إِلَى الطَّرِيقِ وَقَصَدْنَا أَحَدَ الْجِبَالِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَرْيَةِ "الْمَنْكُوب" حَيْثُ تَرَكْنَا هُنَاكَ الْمَجْمُوعَةَ الَّتِي جَنَّدْنَاهَا لِلْإِنْضِمَامِ إِلَى جَيْشِ التَّحْرِيرِ، وَتَابَعْنَا سَيْرَنَا نَحْوَ الْحُدُودِ الْمَغْرِبِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ، إِلَى أَنْ وَصَلْنَا إِلَى قَرْيَةِ "بُوعَرْفَة" الَّتِي نِمْنَا بِهَا لَيْلَةً، وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَا بَعْدُ أَنَّ الْمَجْمُوعَةَ الْمَذْكُورَةَ بَقِيَتْ فِي الْجَبَلِ إِلَى أَنْ تَمَّ نَقْلُهَا إِلَى فِجِيج لِتَنْضَمَّ إِلَى الْمَجْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ مُتَمَرْكِزَةً فِيهَا.. ثُمَّ عُدْتُ إِلَى وَجْدَة وَاتَّصَلْتُ بِبِلْحَاج بُوبُو وَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قُمْنَا بِهِ بِتَفْصِيلٍ أَنَا وَمُحَمَّد أُوعَلِي وَكَلَّفَنَا بِمُهِمَّةِ السَّفَرِ إِلَى فَاس لِنَتَّصِلَ بِإِبْرَاهِيم السُّوسِي لِيُسَلِّمَنَا كَمِّيَّةَ السِّلاَحِ الَّتِي كَانَتْ فِي حَوْزَتِهِ وَالْعَوْدَةَ بِهَا إِلَى وَجْدَة، وَعِنْدَمَا اتَّصَلْنَا بِهِ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْأَسْلِحَةَ تُوجَدُ بِمَكْنَاس. وَعِنْدَمَا ذَهَبْنَا إِلَى مَكْنَاس لَمْ نَجِدْ مِنْ هَذِهِ الْأَسْلِحَةِ الَّتِي كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنَّا تَسَلُّمَهَا إِلَّا الْقَلِيلَ، وَعُدْنَا بِهَا إِلَى وَجْدَة. وَبَعْدَ أَنْ انْتَهَيْتُ مِنْ هَذِهِ الْمُهِمَّةِ انْضَمَمْتُ إِلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي كَانَتْ مُكَلَّفَةً بِمُرَاقَبَةِ مَرَاكِزِ جَيْشِ التَّحْرِيرِ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي "تَكَافَايْت" وَ"تِيُولِي" وَ"بِرْجَنْت" وَهَكَذَا إِلَى أَنْ طَلَبَ مِنِّي بِلْحَاج بُوبُو أَنْ أَنْضَمَّ إِلَى مَجْمُوعَةٍ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَعْضَائِهَا مِيرِي بِلْهَاشِمِي، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةُ مُكَلَّفَةً بِمُوَاجَهَةِ بَعْضِ الْعَنَاصِرِ الَّتِي اسْتَغَلَّتِ الْفَوْضَى النَّاتِجَةَ عَنْ غِيَابِ السُّلْطَةِ فِي بِدَايَةِ الْإِسْتِقْلَالِ، وَكَانَتْ تَدَّعِي أَنَّهَا تَنِظِيمَاتٌ فِدَائِيَّةٌ وَتَطَالِبُ التُّجَّارَ بِمَدِّهَا بِالْمَالِ تَحْتَ طَائِلَةِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ.. وَقَدِ انْتَشَرَ أَفْرَادُ هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ فِي أَحْيَاءِ الْمَدِينَةِ لِمُحَارَبَةِ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ وَوَضْعِ حَدٍّ لِلْفَوْضَى وَالنَّهْبِ وَالْإِعْتِدَاءِ.